كرة قدم عالمية

الثّلاثاء 02 يونيو 2026 2:39 صباحًا - بتوقيت القدس

بين الخطاب السياسي والواقع الميداني: هل صمدت استراتيجية «وحدة الساحات» أمام الهدن المنفصلة؟

عاد الخطاب الرسمي الإيراني لتصدر المشهد السياسي مع تجديد التأكيد على مفهوم «وحدة الساحات»، وذلك بالتزامن مع إعلان الإدارة الأمريكية عن تفاهمات جديدة تهدف إلى وقف التصعيد بين الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله. وترى طهران أن أي ترتيبات سياسية أو أمنية لوقف إطلاق النار يجب أن تكون شاملة لكافة الجبهات المرتبطة بالمواجهة، معتبرة أن الفصل بين غزة ولبنان يخدم المساعي الإسرائيلية لتفكيك جبهات المقاومة.

وفي هذا السياق، شدد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال تواصله مع نظيره اللبناني نبيه بري، على أن حزب الله وحركة أمل يمثلان خط الدفاع الأول عن الأمة الإسلامية في وجه الأطماع الإسرائيلية. وأوضح قاليباف أن العلاقة بين طهران وبيروت مصيرية ولا يمكن فصل مساراتها، مؤكداً عزم بلاده على انتزاع وقف إطلاق نار شامل ينهي المعاناة في جنوب لبنان وكافة الأراضي اللبنانية.

من جانبه، وجه قائد فيلق القدس الجنرال إسماعيل قاآني رسالة تحذيرية شديدة اللهجة، أشار فيها إلى أن استمرار الاعتداءات في غزة ولبنان سيعزز من عزيمة محور المقاومة على توسيع نطاق العمليات. وأكد قاآني أن الدعم الأمريكي للاحتلال لن يمنع سقوط الكيان في «دوامة» العمليات العسكرية التي يديرها حزب الله والمقاومة الفلسطينية، ملوحاً بتفعيل جبهات إضافية وتغيير قواعد الملاحة في المنطقة.

ويبرز مفهوم «وحدة الساحات» كاستراتيجية دفاعية وهجومية تربط بين غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا والعراق واليمن، حيث تهدف إلى خلق حالة من الضغط المتزامن على الاحتلال الإسرائيلي. وقد تبلور هذا المفهوم بشكل أوضح عقب عدوان 2021، ليصبح ركيزة أساسية في أدبيات الفصائل التي تسعى لمنع الاستفراد بأي جبهة بشكل منفصل.

وعلى الرغم من هذا الترابط النظري، إلا أن الواقع الميداني منذ عملية «طوفان الأقصى» في أكتوبر 2023 أظهر تعقيدات كبيرة في تطبيق هذه الاستراتيجية على الأرض. فقد كشفت الأحداث عن تباينات في الحسابات السياسية والأولويات الوطنية لكل ساحة، مما جعل الانخراط في مواجهة إقليمية شاملة يخضع لتقديرات دقيقة تتجنب الانزلاق نحو حرب مدمرة غير محسومة النتائج.

وتشير التقارير إلى أن غرف العمليات المشتركة لعبت دوراً حيوياً في تبادل الخبرات والمعلومات الاستخباراتية بين أطراف المحور خلال سنوات الحرب. ومع ذلك، فإن بدء عملية «طوفان الأقصى» دون تنسيق مسبق وضع مفهوم وحدة الساحات أمام اختبار حقيقي، حيث تحول الدعم من مشاركة مباشرة شاملة إلى جبهات إسناد نشطة في لبنان واليمن والعراق.

وفي المقابل، انتهجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، مدعومة بوساطات دولية، سياسة «تفكيك الساحات» عبر السعي لإبرام اتفاقات تهدئة منفصلة لكل جبهة على حدة. وقد تجلى ذلك في الهدن المتعددة التي شهدها قطاع غزة منذ نوفمبر 2023، والتي كانت تُناقش بمعزل عن التصعيد المستمر في جنوب لبنان أو الهجمات الصاروخية القادمة من اليمن.

ففي قطاع غزة، توالت اتفاقات وقف إطلاق النار الهشة، كان آخرها الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025 ولا يزال صامداً رغم الخروقات الواسعة. وتتمسك إسرائيل بالسيطرة العسكرية على مناطق استراتيجية داخل القطاع، مما يجعل أي تهدئة مجرد مرحلة انتقالية في ظل غياب حل سياسي شامل يضمن الانسحاب الكامل وإنهاء الحصار.

أما الجبهة اللبنانية، فقد خضعت لمسار تفاوضي قادته واشنطن وباريس، أسفر عن اتفاق لوقف العمليات القتالية في نوفمبر 2024 استناداً إلى القرار الأممي 1701. ورغم أن حزب الله ربط توقف عملياته بوقف العدوان على غزة في البداية، إلا أن الضغوط الميدانية والسياسية فرضت مساراً منفصلاً أدى إلى تهدئة مؤقتة في الجنوب اللبناني.

وتكشف وثائق منسوبة لقيادات في كتائب القسام، نشرتها مصادر إعلامية، عن رهان المقاومة الفلسطينية منذ البداية على تحويل «طوفان الأقصى» إلى شرارة تشعل كافة الجبهات. وتوضح هذه الوثائق أن التصور كان يقوم على إرباك المنظومة الدفاعية للاحتلال عبر هجمات متزامنة من لبنان وسوريا واليمن، لفرض واقع سياسي جديد ينهي التغول الإسرائيلي في القدس والأقصى.

ويرى مراقبون أن مستقبل «وحدة الساحات» يعتمد بشكل أساسي على نتائج الجولات الحالية من المفاوضات وقدرة أطراف المحور على تطوير آليات التنسيق العسكري. فبينما تصر طهران على الربط السياسي بين الجبهات، تفرض الجغرافيا والظروف السياسية لكل دولة قيوداً قد تؤدي إلى استمرار نموذج «الهدن المنفصلة» كخيار واقعي للتعامل مع الأزمات.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه هذا المفهوم هو القدرة على الانتقال من التنسيق الجزئي إلى الإدارة الموحدة والشاملة للمواجهة، خاصة في ظل استمرار السيطرة الإسرائيلية على مفاصل حيوية في غزة. وتظل الرسائل السياسية الإيرانية بمثابة محاولة لإعادة الاعتبار لهذا المفهوم ومنع الاحتلال من تحقيق نصر معنوي عبر الاستفراد بكل طرف على حدة.

وفي ظل المبادرات الأمريكية المتلاحقة لخفض التصعيد، يبدو أن المنطقة تتجه نحو حالة من «الهدوء الحذر» الذي تحكمه توازنات الردع أكثر من الاتفاقات السياسية المستدامة. ويبقى السؤال قائماً حول مدى قدرة المقاومة في غزة على الصمود في ظل هذه التفاهمات المنفصلة التي قد تضعف الضغط العسكري الممارس على الاحتلال من الجبهات الأخرى.

ختاماً، فإن تجربة السنوات الأخيرة أثبتت أن وحدة الساحات ليست مجرد شعار، بل هي واقع ميداني يتطور باستمرار رغم العوائق. وسواء نجحت المساعي الدولية في تثبيت الهدن المنفصلة أو عادت الجبهات للالتحام، فإن الصراع في المنطقة دخل مرحلة جديدة من تداخل الملفات التي يصعب معها تصور استقرار دائم دون حل جذري للقضية الفلسطينية.

دلالات

شارك برأيك

بين الخطاب السياسي والواقع الميداني: هل صمدت استراتيجية «وحدة الساحات» أمام الهدن المنفصلة؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.