تمر الدولة السورية بمرحلة انتقالية حرجة، حيث لا يُقاس نجاحها بمجرد القدرة على إصدار القرارات السيادية، بل بمدى إحكام السيطرة على آليات تنفيذ تلك القرارات وضمان عدم انحرافها. إن ما شهدته الساحة مؤخراً من تضارب في الإجراءات لا يمكن اعتباره مجرد خلل إداري عابر، بل هو مؤشر على أزمة بنيوية في فهم حدود السلطة داخل هيكلية الدولة الجديدة.
لقد نص الإعلان الدستوري بوضوح على أن نظام الحكم في البلاد يرتكز على المركزية، مع اعتماد القوانين النافذة سابقاً كمرجعية قانونية وحيدة خلال هذه الفترة. هذا الوضوح الدستوري لا يترك أي مساحة للمسؤولين المحليين للقيام باجتهادات شخصية تتجاوز الصلاحيات الممنوحة لهم، خاصة في القضايا التي تمس السياسات العامة للدولة.
إن القرارات التي صدرت مؤخراً عن محافظي دمشق واللاذقية تمثل خروجاً صريحاً عن السياق المؤسساتي المفترض، وتعد خطأً جسيماً يهدد وحدة القرار الوطني. فالدولة القوية هي التي تلتزم بالمسار القانوني الموحد، وأي انزياح عن هذا المسار قد يؤدي إلى تحويل مؤسسات الدولة إلى جزر معزولة تعمل وفق أهواء القائمين عليها.
تكمن المعضلة الحقيقية في غياب الرؤية السياسية المتكاملة للمرحلة الانتقالية من قبل القيادة المركزية، مما أدى إلى نشوء فراغ تفسيري حاول البعض ملأه باجتهادات فردية. هذا الفراغ لم يتسبب فقط في إرباك المشهد الإداري، بل أدى أيضاً إلى تصاعد حالة من الاستياء الشعبي نتيجة غياب التنسيق والوضوح في التوجهات الحكومية.
يلاحظ المراقبون وجود فجوة بين عقلية 'إدارة المناطق' التي سادت في فترات سابقة، ومنطق 'إدارة الدولة' الذي يتطلب انضباطاً مؤسسياً صارماً. فالانتقال إلى منطق الدولة يفرض التخلي عن المرونة الميدانية المفرطة لصالح الالتزام بالسياسات العامة التي تصدر عن المركز وتطبق على الجميع دون استثناء.
إن استمرار العمل بأدوات ومفاهيم المراحل السابقة داخل البنية الجديدة للدولة لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الفوضى في قالب رسمي. فالدولة يجب أن تظل على مسافة واحدة من كافة المكونات الاجتماعية، وألا تنساق وراء الأصوات الشعبوية التي قد تضغط باتجاه قرارات غير مدروسة قانونياً.
يعتبر الإنسان السوري هو الغاية والوسيلة في عملية بناء الدولة، ولذلك فإن أي محاولة لإدارة المزاج العام على حساب سيادة القانون ستؤدي إلى تعميق الانقسامات. الاستياء الشعبي الحالي يجب أن يُقرأ كرسالة تحذيرية تستوجب من السلطات احتواء الموقف عبر قنوات مؤسساتية شفافة تعيد الثقة بين المواطن والدولة.
الدولة لا تُدار بالاجتهادات، بل بالقوننة والانضباط الدستوري، وأي خروج عن هذا الإطار يفتح الباب أمام تفكك القرار.
لا يمكن تجاهل الظروف الإقليمية والدولية المحيطة، حيث لا تزال هناك أطراف تتربص بالاستقرار السوري وتحاول استغلال أي ثغرة إدارية لتضخيمها. هذا الواقع يفرض على الدولة السورية التعامل بحزم وسرعة مع التجاوزات الداخلية لقطع الطريق على أي محاولات اختراق خارجية تستهدف الجبهة الداخلية.
رغم وجود خطوات إيجابية اتخذتها القيادة السورية في الآونة الأخيرة، إلا أن هذا الرصيد السياسي يظل مهدداً بالتبدد إذا لم يُترجم إلى نظام رقابي صارم. المطلوب هو تحويل المبادرات الفردية والنجاحات المبعثرة إلى استراتيجية وطنية شاملة تمنع الانحرافات الإدارية قبل وقوعها وتضمن وحدة المسار.
إن السيناريو الأكثر خطورة الذي يواجه البلاد ليس وقوع الخطأ في حد ذاته، بل في تحول هذا الخطأ إلى نمط سلوكي مستدام داخل أجهزة الدولة. فإذا لم يتم تدارك تعدد مراكز القرار الآن، فإن الدولة قد تنزلق نحو تفكك تدريجي يفقدها القدرة على ممارسة سيادتها الفعلية على الأرض.
أصبح التدخل المباشر من أعلى سلطة في الدولة ضرورة سياسية ملحة لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح وتحديد الصلاحيات بدقة. الهدف من هذا التدخل لا ينبغي أن يقتصر على معالجة أزمة مؤقتة، بل يجب أن يؤسس لبرنامج إصلاحي شامل يكرس مبادئ الشفافية والمساءلة في العمل الحكومي.
يجب أن تتحول مكتسبات المرحلة الماضية إلى بنية مؤسساتية مستقرة لا تخضع للاجتهادات الشخصية للمسؤولين مهما كانت رتبهم. إن بناء الدولة الحديثة يتطلب الانتقال من مرحلة 'الشرعية الثورية' أو الميدانية إلى مرحلة 'الشرعية الدستورية' التي تحكم الجميع دون تمييز.
تُختبر الدولة السورية اليوم في قدرتها على فرض الانضباط الداخلي وتوحيد مرجعياتها قبل أن تطالب الآخرين بالالتزام بالقوانين. فإما أن تنجح في استعادة مركزية القرار بشكل فعلي وملموس، أو أنها ستواجه خطر التحول إلى غطاء رسمي لحالة من الفوضى المقنعة التي تنهك المجتمع.
في نهاية المطاف، يبقى الالتزام بروح الإعلان الدستوري هو المخرج الوحيد لضمان استقرار سوريا وتجاوز عثرات المرحلة الانتقالية. إن بناء المؤسسات القوية هو الضمانة الوحيدة لحماية الحقوق والحريات، ومنع انزلاق البلاد نحو صراعات إدارية أو اجتماعية قد تعصف بما تم تحقيقه من استقرار نسبي.
Share your opinion
اختبار الدولة السورية: معضلة مركزية القرار وفوضى الاجتهادات التنفيذية