Tue 31 Mar 2026 2:48 pm - Jerusalem Time

قانون إعدام الأسرى: مناورة نتنياهو للهروب من التآكل السياسي والارتهان لليمين

لا يمكن فصل إقرار الكنيست الإسرائيلي لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين عن السياق السياسي المتأزم الذي يعصف بالداخل الإسرائيلي في الآونة الأخيرة. يظهر هذا التشريع في جوهره كأداة للتوظيف السياسي المباشر، بعيداً عن كونه خياراً أمنياً خضع للدراسة والتمحيص الاستراتيجي.

يعيش رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو واحدة من أكثر لحظاته السياسية هشاشة، حيث تتراكم فوق كاهله الانقسامات الداخلية الحادة وتآكل الثقة الشعبية. تدفعه هذه العوامل، بالإضافة إلى الضغوط القضائية المستمرة، إلى البحث عن مخارج سريعة تعيد تثبيت موقعه المهتز في سدة الحكم.

يبرز قانون إعدام الأسرى كرسالة مزدوجة الأهداف يوجهها نتنياهو لعدة أطراف في آن واحد. فهو يسعى لإقناع الجبهة الداخلية بقدرته على الحسم الأمني، وفي الوقت ذاته يغازل حلفاءه في اليمين المتطرف ليثبت أنه لا يقل تشدداً عن طروحاتهم الراديكالية.

يرتبط هذا التحول التشريعي بشكل وثيق بصعود تيار اليمين المتطرف الذي يقوده إيتمار بن غفير داخل الحكومة. حيث انتقل الخطاب السياسي من محاولات إدارة الصراع التقليدية إلى المزايدة العلنية في استخدام أدوات القمع والترهيب ضد الفلسطينيين.

يسعى بن غفير وأقطاب اليمين القومي إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك بالكامل بما يضمن تكريس منطق القوة المطلقة. ويجد نتنياهو نفسه في هذا الإطار محاصراً بين ضرورة الحفاظ على تماسك ائتلافه الحكومي وبين خشية فقدان المبادرة لصالح شركائه الأكثر تطرفاً.

يبدو القانون في توقيته الحالي أشبه بعملية امتصاص للضغط السياسي الداخلي وإعادة توجيهه نحو الخارج. فبدلاً من مواجهة التناقضات العميقة داخل المجتمع الإسرائيلي، يتم تصدير الأزمة عبر تصعيد ممنهج يستهدف الحركة الأسيرة والشعب الفلسطيني.

تعتمد السلطة في تل أبيب آلية سياسية كلاسيكية تقوم على خلق عدو خارجي أو تضخيم التهديدات القائمة لتوحيد الصفوف. تهدف هذه الاستراتيجية إلى إعادة إنتاج الشرعية المفقودة عبر بوابة التصعيد الأمني والتشريعي الذي يرضي غرور اليمين المتطرف.

رغم الفعالية المؤقتة لهذه المقاربة في تهدئة الشركاء السياسيين، إلا أنها تحمل في طياتها بذور تفاقم الأزمات البنيوية. فتوظيف ملف الأسرى الحساس لا يعالج جذور الانقسام الإسرائيلي، بل يعمل على تأجيل الانفجار الداخلي وتعميق الفجوات المجتمعية.

لن يجد المجتمع الإسرائيلي المستقطب في هذا القانون حلاً لإشكالاته المرتبطة بهوية الدولة أو التوترات الاجتماعية المتصاعدة. فالمزايدة مع اليمين تضع نتنياهو في معادلة خاسرة على المدى البعيد، حيث يفقد تدريجياً تمايزه السياسي كقائد براغماتي.

كلما اقترب نتنياهو من خطاب بن غفير، تحول من لاعب يمسك بخيوط اللعبة إلى تابع يلهث خلف شروط شركائه المتشددين. هذا التحول يكشف عن ضعف الموقع القيادي الذي تفرضه التوازنات الائتلافية الهشة والمصالح الشخصية الضيقة.

على صعيد الصراع مع الفلسطينيين، يندرج هذا التصعيد ضمن استراتيجية تهدف إلى إعادة تعريف قواعد الردع بالقوة المفرطة. ومع ذلك، فإن التجارب التاريخية تثبت أن مثل هذه السياسات المتطرفة غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية تماماً.

بدلاً من إخضاع الطرف الفلسطيني، تدفع هذه القوانين الجائرة نحو مزيد من التصلب في المواقف وفتح دورات جديدة من المواجهة. إن تحويل قضية الأسرى إلى ورقة للمزايدة السياسية يرفع منسوب التوتر في المنطقة إلى مستويات غير مسبوقة.

في المحصلة، لا يعد قانون إعدام الأسرى مجرد إجراء قانوني أو أمني، بل هو انعكاس لأزمة سياسية داخلية عميقة الجذور. إنه محاولة للهروب إلى الأمام عبر تصعيد محسوب ظاهرياً، لكنه ينطوي على مخاطر استراتيجية كبرى قد لا تحمد عقباها.

يجد نتنياهو نفسه اليوم أمام معادلة معقدة تجمع بين ضغط الشارع ومطالب اليمين وتحديات البقاء الشخصي في السلطة. ويظل التشريع الجديد مرآة لنظام سياسي يبحث عن توازنه المفقود على حافة الهاوية، دون امتلاك رؤية حقيقية للحل.

Tags

Share your opinion

قانون إعدام الأسرى: مناورة نتنياهو للهروب من التآكل السياسي والارتهان لليمين

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.