تعيد محاولة استهداف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض تسليط الضوء على التداخل العميق بين الخيال السينمائي والواقع السياسي المرير. فمنذ وصول ترمب مجدداً إلى السلطة في يناير 2025، تزايدت وتيرة الأحداث التي تغذي 'نظرية المؤامرة'، وهو المفهوم الذي جسده فيلم النجمين ميل غيبسون وجوليا روبرتس عام 1997، حيث يتحول الهوس الفردي إلى كشف لشبكات استخباراتية معقدة.
يروي فيلم 'نظرية المؤامرة' قصة سائق تاكسي يعتقد أن كل حدث عابر هو جزء من مخطط أكبر تخفيه أجهزة المخابرات، وهو ما يتقاطع مع الواقع الحالي في الولايات المتحدة. فبينما وصف ترمب مهاجمه 'كول توماس آلن' بأنه مجرد 'ذئب منفرد' ومختل عقلياً، كشفت مصادر إعلامية عن خلفية أكاديمية ومهنية مرموقة للمهاجم، مما خلق فجوة بين الرواية الرسمية والصورة الاجتماعية، معززاً بذلك الشكوك المؤامرتية.
تبرز المفارقة في استخدام الاسم الثلاثي للمهاجم، وهي تفصيلة أشار إليها فيلم غيبسون كعلامة على 'القتلة السياسيين' في الذاكرة الأمريكية، مثل جون ويلكس بوث ولي هارفي أوزوالد. هذا الطقس الإعلامي في إعلان الأسماء الثلاثية يتحول في الثقافة الشعبية إلى إشارة مقصودة لصناعة سردية رسمية حول القاتل المنفرد، مما يجعل من الفيلم القديم مرآة تعكس أحداث اليوم بدقة مذهلة.
تاريخياً، لم تتبلور نظرية المؤامرة كمفهوم شعبي إلا في القرن العشرين، وتحديداً بعد أحداث صادمة مثل اغتيال جون كينيدي وهجمات سبتمبر. ويرى خبراء أن هذه النظريات تقوم على ثلاثة مبادئ: لا شيء يحدث بالصدفة، ولا شيء كما يبدو، وكل شيء مرتبط ببعضه، مما يمنح الجمهور تفسيرات تبسيطية لواقع معقد يعجز التحليل المؤسسي عن شرحه.
الفيلسوف كارل بوبر كان قد وصف هذا النمط من التفكير بأنه 'نسخة علمانية من اللاهوت'، حيث حلت الجماعات السرية والنخب الخفية محل القوى الغيبية في إدارة شؤون العالم. وحذر بوبر من أن هذا التفكير يختزل التاريخ إلى مواجهة بين 'نحن' و'هم'، مما قد يؤدي في النهاية إلى إنتاج الكراهية والنزعات الديكتاتورية تحت غطاء البحث عن الحقيقة المخفية.
في فيلم 'نظرية المؤامرة'، يظهر كتاب 'الحارس في حقل الشوفان' كرمز للاغتراب والوحدة، وهو الكتاب الذي ارتبط تاريخياً بحالات اضطراب ذهني لدى منفذي اغتيالات حقيقيين. هذا الربط الأدبي يعكس الحالة النفسية للشخصيات التي تجد نفسها عالقة بين عالمين، أحدهما واقعي يرفضونه، والآخر متخيل يقوم على العزلة والشعور بضرورة القيام بدور 'رسولي' لتطهير المجتمع.
وبالعودة إلى كلاسيكيات السينما، يبرز فيلم 'سائق التاكسي' (1976) لمارتن سكورسيزي كأحد أكثر الأعمال تأثيراً في فهم سيكولوجية المغتال. بطل الفيلم ترافيس بيكل، الذي أدى دوره روبرت دي نيرو، يمثل الجندي السابق الذي يعاني من الوحدة ويقرر تنظيف مدينة نيويورك من 'قذاراتها' السياسية والأخلاقية، وهو دافع يتشابه بشكل مريب مع بيان المهاجم كول توماس آلن.
إن نظرية المؤامرة تمنح أصحابها إجابات شاملة لأحداث معقدة، وتوفر شعوراً زائفاً بالفهم والسيطرة في عالم مضطرب.
محاولة اغتيال رونالد ريغان في عام 1981 تعد المثال الأبرز على خروج السينما إلى أرض الواقع، حيث قام جون هينكلي جونيور بإطلاق النار على الرئيس للفت انتباه الممثلة جودي فوستر. هينكلي كان مهووساً بفيلم 'سائق التاكسي' لدرجة أنه تقمص شخصية البطل وقص شعره بنفس الطريقة، مما فتح نقاشاً طويلاً في أمريكا حول تأثير الثقافة الشعبية على العنف السياسي.
المهاجم الأخير لترمب، كول توماس آلن، أرسل بياناً لعائلته يهاجم فيه ما وصفه بـ 'الفساد الأخلاقي' والحروب التي شنتها الإدارة، وهي دوافع تتقاطع مع هواجس ترافيس بيكل في السبعينيات. هذا التشابه يشير إلى أن الدوافع خلف محاولات الاغتيال غالباً ما تمزج بين الغضب السياسي الشخصي وبين الرغبة في تحقيق 'عدالة' متخيلة يغذيها الفن والسينما.
في حالة فيلم 'نظرية المؤامرة'، تكتشف البطلة أليس أن هواجس السائق فليتشر لم تكن مجرد جنون، بل استندت إلى برنامج استخباراتي سري لإنتاج قتلة يمكن التحكم في عقولهم. هذا التحول الدرامي يعزز القناعة لدى المؤمنين بالمؤامرة بأن 'الحقيقة أغرب من الخيال'، وأن ما يبدو اضطراباً عقلياً قد يكون في جوهره معرفة بخفايا لا يدركها العامة.
إن الربط بين الفساد السياسي والفساد الأخلاقي يظل القاسم المشترك في خطابات منفذي العمليات، سواء في الأفلام أو في الواقع الأمريكي المعاصر. فالمهاجم آلن أشار إلى فضيحة 'إبستين' كجزء من دوافعه، تماماً كما كان ترافيس بيكل يرى في السيناتور بالاتين وبيت الدعارة وجهين لعملة واحدة يجب القضاء عليهما لتطهير المدينة.
تظل السينما الأمريكية مختبراً لتوقعات العنف السياسي، حيث تعكس الأفلام القلق الاجتماعي العميق من السلطة الخفية. وبينما تحاول السلطات تبسيط هذه الحوادث بوصفها نتاج 'عقول مضطربة'، تصر السرديات السينمائية والمؤامرتية على وجود روابط أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي والأمني في الولايات المتحدة.
إن الفجوة بين الصورة الرسمية للمهاجم كمهندس عبقري وبين وصفه بـ 'المختل' تفتح الباب واسعاً أمام التفكير المؤامرتي الذي لا يقبل التفسيرات الجاهزة. هذا التناقض هو ما يمنح أفلاماً مثل 'نظرية المؤامرة' و'سائق التاكسي' ديمومة واستمرارية، كونها تلمس وتراً حساساً في الوجدان الجمعي الأمريكي المشكك دائماً في الروايات الحكومية.
في الختام، يبدو أن مرايا السينما لا تكتفي بعكس الواقع، بل تساهم أحياناً في تشكيله أو تقديم القوالب الجاهزة لفهمه. ومع استمرار الاستقطاب السياسي الحاد في الولايات المتحدة، تظل 'نظرية المؤامرة' هي الأداة الأكثر رواجاً لتفسير أحداث الاغتيال، سواء كانت تلك المحاولات حقيقية أو مجرد فصول في دراما سياسية كبرى.
Share your opinion
بين شاشة السينما وواقع الاغتيالات: كيف تُفسر 'نظرية المؤامرة' استهداف الرؤساء؟