ابتكرت البعثة الأممية في ليبيا آلية جديدة عُرفت بمجموعة (4+4)، تهدف إلى كسر الجمود السياسي الذي هيمن على المشهد لسنوات. تضم هذه الآلية ثمانية أعضاء يمثلون كتلتي الشرق والغرب، في محاولة لتجاوز إخفاقات مجلسي النواب والأعلى للدولة في التوصل إلى توافقات نهائية.
تكمن الإضافة الجوهرية في هذه الآلية في إقحام 'القوى النافذة' بشكل مباشر في العملية التفاوضية، وهما حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة. وبذلك، تضم المجموعة عضوين من البرلمان، وعضوين من مجلس الدولة، وممثلين عن الحكومة في طرابلس، وآخرين يمثلان القيادة العامة في بنغازي.
يوحي مسمى (4+4) بأن التفاوض يجري بين جبهتين متقابلتين تماماً، وهو أمر يحمل قدراً من الواقعية لكنه يغفل تداخل المصالح الحيوية. فقد نشأت في الآونة الأخيرة تقاطعات بين أطراف من الجانبين، خاصة فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية والاقتصادية التي تضمن بقاء الفاعلين الحاليين في المشهد.
كشف الفحص الدقيق لمواقف الأطراف الأربعة داخل كل جبهة عن تباينات في الأجندات السياسية، مما قد يؤدي إلى تصادم في الرؤى مستقبلاً. وقد ظهرت بوادر هذا الخلاف بوضوح خلال النقاشات حول خطة مستشار الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، مما يعكس هشاشة التحالفات الداخلية.
أثير جدل واسع حول أهلية ومؤهلات ممثلي 'القوى النافذة' في هذه الآلية، حيث حاول البعض الترويج لخبرة ممثلي الشرق القانونية والسياسية. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هؤلاء الممثلين لا يتمتعون بإرادة حرة كاملة، بل يتحركون ضمن إطار سياسي ضيق يخدم مصالح رؤسائهم المباشرين.
تتركز مهام مجموعة (4+4) في مسارين رئيسيين، الأول هو إعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات لضمان نزاهتها. أما المسار الثاني والأكثر تعقيداً، فهو الاتفاق على التعديلات الجوهرية التي يجب إجراؤها على قوانين الانتخابات المتعثرة منذ عام 2021.
أعلنت البعثة الأممية عن نجاح الاجتماع الأول للمجموعة، حيث تم التوافق على إسناد صلاحية اختيار رئيس مفوضية الانتخابات إلى النائب العام. وتقضي الخطة بأن يرشح النائب العام شخصية قضائية تتوفر فيها المعايير المطلوبة، بينما يختار المجلسان بقية أعضاء المفوضية.
الإشكال في ملف قوانين الانتخابات ليس فنياً يحتاج لخبرة قانونية فقط، بل هو عنوان لنزاع له أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية عميقة.
يظل التحدي الأكبر والعقبة الكؤود أمام هذه المجموعة هو ملف قوانين الانتخابات، الذي تعثر لسنوات بسبب قضايا خلافية جوهرية. وتتصدر مسألة ترشح العسكريين وحملة الجنسيات الأجنبية قائمة النقاط التي تمنع التوصل إلى اتفاق شامل بين الفرقاء الليبيين.
تشمل النقاط الخلافية أيضاً مسألة التزامن بين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وربط مصير إحداهما بالأخرى في حال التعثر. وهذه التفاصيل الفنية تخفي وراءها صراعاً وجودياً على السلطة، حيث يخشى كل طرف من إقصائه عبر صناديق الاقتراع إذا لم تضمن القوانين بقاءه.
لا تشير المعطيات الراهنة إلى إمكانية حدوث اختراق قريب في ملف ترشح العسكريين، خاصة مع تصدر عائلة حفتر للمشهد في الشرق. فبروز صدام وخالد حفتر في الواجهة السياسية والعسكرية يقلل من فرص قبولهم بمرشح مدني يضمن استمرارية نفوذ العائلة في حال إجراء الانتخابات.
في المقابل، تظهر جبهة الغرب الليبي، خاصة في مصراتة وطرابلس والزاوية، تماسكاً نسبياً في رفض فتح المجال السياسي أمام عائلة حفتر. هذا الموقف المبدئي يشكل حائط صد أمام أي محاولة لتمرير قوانين انتخابية تسمح للعسكريين بالترشح دون الاستقالة من مناصبهم.
يعيش الفاعلون السياسيون حالياً في وضع مريح نسبياً نتيجة التفاعلات الحالية في المسارات الأمنية والاقتصادية التي تضمن تقاسم المصالح. وقد ساهم الموقف الدولي والإقليمي الرافض لخيار الحسم العسكري في تعزيز هذا الاستقرار الهش، مما قد يقلل من حماس الأطراف للتغيير الجذري.
رغم أن إدماج حكومة الوحدة والقيادة العامة في التفاوض يكسر الجمود السابق، إلا أنه لا يضمن بالضرورة انتقالاً ديمقراطياً متكاملاً. فهناك مخاوف حقيقية من ارتهان العملية التفاوضية للمصالح الضيقة للأطراف المشاركة، بعيداً عن تطلعات الشعب الليبي في التغيير.
إن أزمة قوانين الانتخابات في ليبيا ليست مجرد إشكال فني يحتاج لخبراء قانونيين، بل هي انعكاس لنزاع عميق الجذور. ويتداخل في هذا النزاع التاريخ والجغرافيا والتركيبة الاجتماعية، مما يتطلب آلية تعامل تنسجم مع طبيعة المحركات الحقيقية للصراع في البلاد.
Share your opinion
آلية (4+4) في ليبيا: هل تنجح القوى النافذة في كسر جمود القوانين الانتخابية؟