Mon 01 Jun 2026 3:39 am - Jerusalem Time

رحيل عبد ربه منصور هادي: إرث من الحيرة بين إنقاذ الدولة وضياعها

غيب الموت الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، تاركاً خلفه سيرة سياسية تضج بالتناقضات والأسئلة المفتوحة التي لم تجد إجابات شافية حتى اللحظة. رحل الرجل في وقت لا يزال فيه الشعب اليمني منقسماً في تقييم مرحلته؛ فبينما يراه البعض رمزاً للشرعية التي حاولت الصمود، يصفه آخرون بأنه المسؤول عن تآكل الدولة وفتح الأبواب أمام رياح الفرقة والشتات.

عاش اليمنيون سنوات طويلة يرقبون قرارات هادي في ظل عواصف سياسية وعسكرية غير مسبوقة، حيث اختلطت في شخصيته ملامح القائد الذي أراد الحفاظ على كيان الدولة، وصورة المسؤول الذي عجز عن كبح جماح القوى المتصارعة. لقد بقيت صورته في الذاكرة الجمعية غير مستقرة، تتأرجح بين الحكمة المفترضة والضعف الذي يراه خصومه سبباً في وصول البلاد إلى ما هي عليه اليوم.

إن المأساة التي عصفت باليمن خلال العقد الماضي كانت تفوق قدرة أي فرد على الاحتمال، حيث تكالبت المحن من كل حدب وصوب، بدءاً من الانقلاب على المؤسسات الدستورية وصولاً إلى تغول السلاح على العمل السياسي. وفي خضم هذه الأمواج المتلاطمة، وقف هادي في مركز العاصفة، لا بطلاً أجمع الناس على قيادته، ولا خائناً اتفقت الأطراف على إدانته، بل شخصية التبست فيها الأحكام.

الحيرة التي خلفها رحيل هادي ليست مرتبطة بشخصه فحسب، بل هي انعكاس لحيرة مرحلة كاملة من تاريخ اليمن المعاصر، حيث تداخلت فيها الضرورات بالخيبات. فكم من قرار اتخذه هادي لا يزال محل جدل حول ما إذا كان ضرورة فرضتها الظروف القاهرة، أم أنه كان خطأً استراتيجياً ناتجاً عن حسابات سياسية غير دقيقة أدت إلى تفاقم الأزمة.

يودع اليمن رجاله واحداً تلو الآخر، لكن الخلافات حول أدوارهم لا تنتهي بمواراتهم الثرى، بل تظل مشتعلة في النقاشات العامة والمجالس السياسية. هادي الذي انتهى عمله وانقطع سعيه بوفاته، لا يزال يمثل مادة دسمة للجدل بين من يرفع له أكف الدعاء تقديراً لثباته، ومن يرفع عليه لواء العتب واللوم لما آلت إليه أوضاع البلاد والعباد.

يبقى التاريخ هو القاضي الوحيد الذي لا يستعجل أحكامه، بعيداً عن عواطف اللحظة الراهنة وجراحها النازفة التي تحكم رؤية البشر المعاصرين للأحداث. وسوف تظل سيرة عبد ربه منصور هادي موضع تساؤل عميق في الضمير اليمني لسنوات طويلة: هل كان يحاول حقاً إنقاذ سفينة الوطن فغلبته الأمواج العاتية، أم أنه كان أحد الأسباب التي أدت إلى غرقها في بحر النزاعات؟

من أكثر النقاط إثارة للتأمل في نهاية عهد هادي، هي الطريقة التي غادر بها المشهد السياسي، حيث لم يرحل فجأة بل قام بتفويض صلاحياته لمجلس قيادة رئاسي يضم ثمانية رجال. هذا الانتقال للسلطة وهو على قيد الحياة، عكس حقيقة أن العبء اليمني أصبح أثقل من أن يحمله فرد واحد، مهما كانت الصلاحيات الممنوحة له أو الدعم الدولي الذي يحظى به.

توزيع المسؤوليات بين ثمانية قادة دفعة واحدة كان بمثابة إعلان واقعي بأن القضية اليمنية لم تعد تتعلق بشخص الرئيس، بل بوطن تتشابك فيه الولاءات والخصومات الدولية والإقليمية. هذا التحول قدم درساً بليغاً لمن اختزلوا تعقيدات المشهد اليمني في اسم هادي وحده، محملين إياه أوزار الانهيار الاقتصادي والتعثر العسكري والتمزق الاجتماعي.

لسنوات طويلة، كان اسم هادي هو الشماعة التي تُعلق عليها كافة الإخفاقات، فإذا اضطربت العملة أو تعثرت الجبهات، كان اللوم يتجه مباشرة نحو الرئاسة. ولكن حين انقسمت هذه المسؤوليات بين ثمانية أعضاء في المجلس الرئاسي، بدأ الناس يدركون أن الأزمة أعمق بكثير من مجرد إدارة فردية، وأن التحديات كانت تتجاوز قدرات أي مؤسسة تقليدية.

لا يعني هذا التحليل براءة مطلقة لهادي من الأخطاء السياسية، فالتاريخ لا يمنح العصمة للحكام، لكنه يشهد على أن المرحلة كانت من التعقيد بحيث لا يمكن تفسيرها من خلال شخص واحد. لقد كان هادي جزءاً من منظومة معقدة، واجهت تحديات وجودية في لحظة تاريخية فارقة، مما يجعل الحكم النهائي عليه أمراً بالغ الصعوبة في الوقت الراهن.

تظل التساؤلات قائمة حول ما إذا كان هادي سبباً في الوضع الحالي، أم أنه كان ضحية لمرحلة منهكة استنزفت طاقته وقدرته على المناورة السياسية. هذا السؤال سيظل مفتوحاً ما دام اليمنيون مختلفين في قراءة تاريخهم القريب، وما دام الصراع لم يضع أوزاره بعد، ليتيح للباحثين فرصة النظر بموضوعية إلى تلك السنوات العجاف.

لقد دفع اليمنيون في عهد هادي ثمناً باهظاً من دمائهم ومستقبلهم، وهي حقيقة لا يمكن القفز فوقها عند تقييم تلك الفترة التي ستظل من أكثر فصول اليمن إيلاماً. ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي النظر إلى حجم المؤامرات والحروب والانقلابات التي أحاطت بذلك العهد، والتي كانت كفيلة بهدّ الجبال الراسيات، فكيف بكيان دولة هشة.

إن الانتقال من حكم الفرد إلى حكم المجلس الرئاسي يمثل اعترافاً ضمنياً بانتهاء حقبة وبداية أخرى، لكنها بداية لا تزال مثقلة بإرث الماضي وتحديات الحاضر. هادي الذي رحل عن عالمنا، ترك خلفه وطناً يبحث عن هويته واستقراره وسط ركام الحروب، تاركاً للأجيال القادمة مهمة فك شفرات مرحلته وفهم تقلباتها الدراماتيكية.

في الختام، يقف الجمهور اليمني الواسع في حالة من التأمل المشوب بالحزن والحيرة، متسائلين عن مآلات الأمور بعد رحيل أحد أبرز وجوه المرحلة السابقة. وسيبقى السؤال الذي يتردد في الأفق: هل كان هادي يحمل مشروعاً للنجاة لم يسعفه الوقت والظروف لتحقيقه، أم أنه كان مجرد شاهد على مرحلة التيه التي لا تزال تعصف باليمن السعيد؟

Tags

Share your opinion

رحيل عبد ربه منصور هادي: إرث من الحيرة بين إنقاذ الدولة وضياعها

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.