أعاد الجيش الإسرائيلي في الحادي والثلاثين من مايو/ أيار 2026، مشهد السيطرة على قلعة الشقيف التاريخية في جنوب لبنان، في تطور ميداني يعيد إلى الأذهان ذكريات الاجتياح البري عام 1982. وتعد القلعة نقطة ارتكاز عسكرية فائقة الأهمية نظراً لموقعها الجغرافي الذي يشرف على مساحات شاسعة من الجنوب اللبناني وصولاً إلى الجليل الأعلى في فلسطين المحتلة.
لم تكن القلعة، المعروفة بصمودها الأسطوري، مجرد موقع أثري عابر في مسار الحرب الحالية، بل هي رمزية عسكرية تختزل عقوداً من الصراع. فمنذ انسحاب الاحتلال منها عام 2000، ظلت الشقيف شاهداً على تاريخ من المقاومة، ليعود العلم الإسرائيلي ويرتفع فوق ساريتها مجدداً بعد 44 عاماً من المواجهة الأولى التي قادتها منظمة التحرير الفلسطينية.
تتمركز القلعة، التي يطلق عليها 'بوفورت' أو الحصن الجميل، فوق بلدة أرنون قرب مدينة النبطية، وترتفع نحو 700 متر عن سطح البحر. هذا الارتفاع يمنح الطرف المسيطر عليها قدرة فائقة على رصد التحركات العسكرية في جبل عامل وجبل حرمون، بالإضافة إلى كشف هضاب صفد ووادي الأردن وعكا داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
يروي المقاتل اللبناني السابق 'سعيد'، الذي عاصر مواجهات السبعينيات والثمانينيات أن القلعة كانت دائماً هدفاً استراتيجياً للاحتلال بسبب قدرتها التكتيكية على كشف الشريط الحدودي. ويستذكر سعيد كيف تصدت القوى المشتركة لمحاولات إنزال جوي إسرائيلية فاشلة في عام 1979، مؤكداً أن الحصن كان يشكل عائقاً دائماً أمام طموحات التوسع الإسرائيلي.
في عام 1982، شهدت القلعة واحدة من أشرس المعارك البرية، حيث تقدمت قوات الاحتلال من محور 'الخردلي' تحت غطاء جوي ومدفعي كثيف. وبحسب شهادات ميدانية، فإن المقاتلين داخل القلعة استمروا في المواجهة حتى نفاد آخر طلقة لديهم، مما أجبرهم على الانسحاب تحت وطأة النيران الكثيفة والغازات السامة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي آنذاك.
المقاتل الفلسطيني 'كرم' يستعيد تفاصيل تلك اللحظات القاسية، مشيراً إلى أن القيادة العسكرية الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات أصدرت أوامر بالانسحاب عبر جهاز اللاسلكي 'راكان' حين اشتد الحصار. ويروي كرم كيف ضحى قادة ميدانيون بأنفسهم، مثل 'راسم' الذي رفض الإخلاء لضمان نجاة رفاقه من حقول الألغام المحيطة بالحصن.
من جانبه، يفند معين الطاهر، القائد السابق في كتيبة الجرمق، الروايات التي تحدثت عن إبادة كاملة للمدافعين عن القلعة في الثمانينيات. ويوضح الطاهر أن القوة المدافعة كانت منظمة في مجموعات صغيرة، وأن العديد منهم تمكنوا من الانسحاب بعد إيقاع خسائر مؤكدة في صفوف لواء غولاني ووحدات الهندسة الإسرائيلية المهاجمة.
لم يستسلم أحد منهم؛ هكذا أجاب جندي إسرائيلي رئيس وزرائه مناحيم بيغن حين سأل عن بسالة المقاتلين داخل حصن الشقيف عام 1982.
الرواية الإسرائيلية الرسمية، التي وثقتها تقارير لاحقة، اعترفت بذهول القادة العسكريين من حجم الصمود الفلسطيني واللبناني داخل القلعة. ففي زيارة مناحيم بيغن وأرييل شارون للموقع عقب سقوطه، واجه أحد الضباط شارون بالحقيقة المرة، مؤكداً مقتل ستة من رفاقه في نقطة واحدة، مكذباً محاولات التعتيم على الخسائر البشرية للاحتلال.
تتميز بنية القلعة المعمارية بآبار عميقة وتحصينات صخرية تجعل من تدميرها بالكامل أمراً شبه مستحيل، وهو ما ساعد المقاتلين تاريخياً على الصمود لأوقات طويلة تحت الحصار. وقد استفادت قوى المقاومة من دراسات هندسية قديمة لفهم زوايا القلعة ونقاط قوتها الدفاعية، مما حولها إلى 'ثقب أسود' استنزف القوات المهاجمة في كل جولة صراع.
أفادت مصادر ميدانية بأن السيطرة الإسرائيلية الجديدة في عام 2026 تأتي ضمن محاولة لفرض واقع أمني جديد يعيد المنطقة إلى ما قبل عام 2000. إلا أن الذاكرة الجمعية لأهالي الجنوب اللبناني والمخيمات الفلسطينية لا تزال تحتفظ بصور الشهداء الذين سقطوا على أسوار الشقيف، معتبرين أن الحجر قد يسقط عسكرياً لكن الرمزية تظل عصية على الاحتلال.
تاريخياً، ارتبطت القلعة بالحقبة الصليبية والأيوبية، حيث حاصرها السلطان صلاح الدين الأيوبي، مما يعزز من قيمتها كمركز للسيطرة والإدارة عبر العصور. وفي العصر الحديث، تحولت من معلم سياحي وتاريخي إلى ثكنة عسكرية متقدمة، تعكس طبيعة الصراع الوجودي على الأرض والهوية في هذه المنطقة الحساسة من العالم.
يشير مراقبون إلى أن رفع العلم الإسرائيلي على سارية الشقيف في مايو 2026 هو رسالة سياسية بقدر ما هي عسكرية، تهدف إلى استعادة 'هيبة' مفقودة منذ الانسحاب القسري قبل عقود. ومع ذلك، فإن الطبيعة الجغرافية الوعرة المحيطة بالقلعة تجعل من البقاء فيها مهمة محفوفة بالمخاطر الدائمة في ظل استمرار العمليات القتالية.
إن العودة إلى 'دفاتر الشقيف' اليوم تفتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول مآلات المواجهة الحالية في جنوب لبنان، ومدى قدرة التحصينات التاريخية على الصمود أمام التكنولوجيا العسكرية الحديثة. لكن بالنسبة للمقاتلين القدامى مثل 'سعيد' و'كرم'، تبقى القلعة جرحاً مفتوحاً وحكاية صمود لم تنتهِ فصولها بعد، مهما تغيرت موازين القوى الميدانية.
ختاماً، تظل قلعة الشقيف 'حصن الجنوب العالي' الذي يرفض الانكسار، فبين عامي 1982 و2026، تتغير الوجوه والأسلحة، وتبقى الصخور شاهدة على دماء المقاتلين العرب الذين دافعوا عن بوابة فلسطين الشمالية من فوق قمة أرنون، مؤكدين أن التاريخ لا ينسى من تحصنوا بالحق فوق قمم الجبال.
Share your opinion
قلعة الشقيف 2026: الاحتلال يعيد فتح جرح 'الحصن الجميل' بعد 44 عاماً