تتصاعد المخاوف في الأوساط الإسرائيلية من تحولات استراتيجية في خارطة البنية التحتية الرقمية بالشرق الأوسط، حيث تُعد كابلات الاتصالات البحرية العمود الفقري للاقتصاد الرقمي العالمي. وتمر حالياً أكثر من 95% من حركة البيانات العابرة للقارات عبر هذه الكابلات المادية، مما يمنح الدول التي تستضيف نقاط الإنزال نفوذاً سياسياً وعوائد اقتصادية ضخمة.
وأفادت مصادر بأن السنوات الأخيرة شهدت تدشين أنظمة كابلات متطورة غيرت مسارات تدفق المعلومات بين أوروبا ودول الخليج والهند. ويبرز نظام 'بلو-رامان' المملوك لشركة جوجل كأحد أهم هذه المشاريع، حيث يربط القارة الأوروبية بإسرائيل عبر المتوسط، ثم يمتد جنوباً نحو السعودية وصولاً إلى الهند، مشكلاً مساراً حيوياً يتجاوز الاعتماد الكلي على المرور عبر الأراضي المصرية.
وتسعى إسرائيل من خلال هذه المشاريع إلى تعزيز موقعها كحلقة وصل لا غنى عنها في المنظومة الإقليمية، خاصة مع التخطيط لمشروع 'سنتوريون'. هذا النظام يهدف إلى ربط الهند والخليج بالبحر المتوسط عبر تل أبيب، مما يساهم في توزيع المخاطر التشغيلية وزيادة سعة نقل البيانات بين آسيا وأوروبا بشكل غير مسبوق.
إلا أن التوجهات السعودية الأخيرة أثارت قلقاً واسعاً، حيث تدرس الرياض بجدية مساراً بديلاً يمر عبر الأراضي السورية بدلاً من إسرائيل. هذا التحول، في حال تنفيذه، سيعني استبعاد تل أبيب من 'ممر البيانات' الاستراتيجي، وهو ما يطرح تساؤلات حول الدوافع السياسية والأمنية الكامنة وراء هذا القرار السيادي السعودي.
ويرى مراقبون أن الرغبة السعودية في السيطرة هي المحرك الأول لهذا التوجه، إذ تسعى الرياض لتجنب التبعية التقنية لأي جهة إقليمية أخرى. فكلما تعزز موقع إسرائيل كمركز عبور للبيانات، ازدادت احتمالية تحولها إلى طرف مؤثر في أمن المعلومات الخليجي، وهو ما تفضل السعودية تجنبه عبر بناء بنية تحتية مستقلة.
ويرتبط السبب الثاني للتغيير المحتمل بالتوقيت السياسي الراهن والتوترات المتزايدة بين تل أبيب والرياض بشأن ملفات إقليمية متعددة. هذا المناخ يدفع نحو تقليل الاحتكاك في مجالات البنية التحتية الحساسة، والبحث عن بدائل قد تشمل التقارب مع تركيا من خلال نفوذها في الشمال السوري لتأمين مسارات بديلة.
وعلى الرغم من الجدوى السياسية، يثير المسار السوري تساؤلات تقنية وتشغيلية معقدة نظراً لعدم استقرار البيئة الأمنية هناك مقارنة بالمسارات الحالية. ومع ذلك، يبدو أن الحافز الاستراتيجي لدى السعودية يتفوق على العقبات الفنية في محاولة لرسم خارطة رقمية جديدة لا تمر بالضرورة عبر الموانئ الإسرائيلية.
تحديد الجهة المسيطرة على مركز تدفق البيانات ليست مسألة تقنية بل استراتيجية تحدد خارطة الترابط لعقود قادمة.
في المقابل، تعول إسرائيل على شراكتها الاستراتيجية مع اليونان وقبرص في شرق المتوسط لمواجهة هذه التحولات. وقد تعمق هذا التعاون في مجالات الطاقة والأمن، حيث جرى الحديث عن إنشاء قوة عسكرية مشتركة تهدف لحماية البنية التحتية البحرية وضمان استقرار تدفق البيانات والطاقة في المنطقة.
وتشير مصادر إلى أن إسرائيل مطالبة باستثمار علاقاتها مع أثينا لمنع تغيير مسار الكابلات، معتبرة أن نجاح المسار السوري سيمثل انتصاراً تجارياً لتركيا. فالمنافسة الحالية لا تقتصر على أسلاك تحت الماء، بل هي صراع محموم على من يمتلك مفاتيح التدفق الرقمي في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة.
إن فقدان إسرائيل لمركزيتها في هذه المشاريع يعني تراجع دورها من 'دولة يمر عبرها العالم' إلى مجرد 'دولة متصلة بالعالم'. وفي عصر يعتمد كلياً على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، فإن سرعة تدفق المعلومات تترجم مباشرة إلى نفوذ سياسي وقوة اقتصادية لا يمكن الاستغناء عنها.
وتؤكد التقارير أن مشروع ممر البيانات من الشرق إلى المتوسط (EMC)، الذي يجمع السعودية واليونان، يمثل ساحة اختبار حقيقية لهذه التوازنات. فإذا نجحت الرياض في فرض مسار يتجاوز تل أبيب، فإن ذلك سيعيد تشكيل التحالفات الجيوسياسية في المنطقة بناءً على المصالح الرقمية المشتركة.
ويحذر خبراء إسرائيليون من أن التباطؤ في التحرك الدبلوماسي قد يؤدي إلى خسارة استراتيجية طويلة الأمد، حيث أن قرارات تمديد الكابلات تُحدد مسارات الترابط لعقود. ولا تقتصر الخسارة على العوائد المالية المباشرة، بل تمتد لتشمل فقدان أدوات ضغط أمنية وتقنية هامة في مواجهة القوى الإقليمية.
ويبقى التساؤل قائماً حول قدرة تل أبيب على تقديم إغراءات تقنية أو أمنية تثني الأطراف الإقليمية عن البحث عن بدائل. فالصراع الرقمي بات لا يقل أهمية عن الصراعات العسكرية التقليدية، حيث تمثل البيانات 'النفط الجديد' الذي تسعى كل دولة للسيطرة على أنابيب نقله.
ختاماً، يمثل التوجه السعودي رسالة واضحة حول أولويات السياسة الخارجية الجديدة التي تضع الاستقلال الاستراتيجي فوق الاعتبارات التجارية البحتة. ومع استمرار التطور التقني، ستظل منطقة شرق المتوسط ساحة للتنافس بين مشاريع كبرى تسعى لرسم حدود العالم الرقمي الجديد.
Share your opinion
قلق في تل أبيب من توجه سعودي لاستبعاد إسرائيل من مسارات كابلات البيانات العالمية