تراقب العاصمة الصينية بكين بقلق متزايد ما تصفه بالتقلبات غير المنضبطة في السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة مع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط. وترى الدوائر السياسية في الصين أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران تمثل اختباراً حرجاً لاستقرار النظام الدولي الذي استثمرت فيه بكين لعقود.
ووفقاً لتقارير دولية، فإن الصين لا تخشى تراجع الهيمنة الأمريكية بقدر ما تخشى تحول واشنطن نحو سلوك فوضوي يزعزع أسس التجارة العالمية. وترى بكين أن الولايات المتحدة غير المنضبطة قد تطيح بقواعد السوق والطاقة التي يحتاجها التنين الصيني لمواصلة صعوده الاقتصادي والسياسي.
ومع عودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض، تزايدت القناعة لدى القيادة الصينية بأن مصداقية واشنطن في تراجع مستمر نتيجة التخلي عن النظام الدولي القائم على القواعد. هذا التراجع يحمل في طياته جانباً إيجابياً لبكين يتمثل في ضعف القدرة الأمريكية على حشد تحالفات دولية معادية للصين.
إلا أن هذا الضعف الأمريكي لا يمثل مكسباً صافياً للصين كما يُشاع في بعض الأوساط الغربية، إذ تفضل بكين وجود أمريكا قوية بما يكفي لضمان استقرار الاقتصاد العالمي. فبكين لا تنقض على كل فرصة جيوسياسية فوراً، بل تعطي الأولوية لاستمرار تدفق المبادلات التجارية وموارد الطاقة الحيوية.
وتمثل المواجهة الحالية مع إيران تحدياً استراتيجياً للصين يفوق في خطورته تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، نظراً لارتباطها المباشر بأمن الطاقة. فالسلوك المتقلب لواشنطن في منطقة الخليج يهدد الممرات البحرية التي تعتمد عليها بكين لتأمين احتياجاتها الضخمة من النفط الخام.
وتؤكد مصادر تحليلية أن الخطر الأكبر على الصين يكمن في حالة الفوضى العالمية التي قد تنجم عن استخدام واشنطن لقوتها العسكرية دون اكتراث بالعواقب الاقتصادية. فبكين تعلمت كيف تستغل النظام الدولي الحالي، وانهياره المفاجئ قد يضطرها للدفاع عن أسس هذا النظام في وجه السلوك الأمريكي المزعزع.
ومنذ انفتاحها الاقتصادي عام 1979، استفادت الصين بشكل عميق من الممرات البحرية المفتوحة والدولار القوي والمؤسسات العالمية التي قادتها واشنطن. ورغم محاولات بكين بناء بدائل مالية وسياسية، إلا أن اعتمادها على استقرار النظام العالمي يظل ركيزة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة.
الخطر الأكبر بالنسبة للصين يكمن في الفوضى لا في الندرة، فضعف الولايات المتحدة وحده أمر يمكن التعامل معه، لكن عنفها وعدم التزامها بالنظام الدولي يهدد فرص الاستقرار.
وقد ظهرت فجوات هذا الاعتماد عندما حاولت بكين انتهاج سياسة الاعتماد على الذات، حيث واجهت الصناعات الصينية تراجعاً في الأرباح وتضخماً في الطاقة الإنتاجية. وهذا ما يدفع القيادة الصينية للتمسك بوجود نظام عالمي يمكن التنبؤ به، بعيداً عن لغة القوة العسكرية الصرفة التي باتت تنتهجها إدارة ترامب.
وفيما يتعلق بالشرق الأوسط، فإن إغلاق مضيق هرمز يمثل كابوساً اقتصادياً للصين التي تعد أكبر مستورد للنفط في العالم، رغم امتلاكها احتياطيات استراتيجية. فالاضطرابات في هذه المنطقة ترفع أسعار الطاقة وتضغط على الاقتصاد الصيني القائم على التصدير، حيث تشكل الصادرات نحو خمس الناتج المحلي.
وعلى الصعيد الداخلي، بدأت بكين في تكييف خططها الاقتصادية مع هذه البيئة العالمية غير المستقرة، حيث خفضت مستهدفات النمو إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة. ويعكس هذا التوجه اعترافاً بأن العوامل الخارجية، بما في ذلك التوترات التجارية، أصبحت تشكل قيوداً هيكلية على مسار النمو الصيني.
وتسعى الصين حالياً للتركيز على ما تسميه «قوى إنتاجية نوعية جديدة» تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة لتقليل مواطن الضعف أمام الصدمات الخارجية. ومع ذلك، فإن هذه الصناعات تظل بحاجة إلى شبكات معرفة عالمية وتدفقات مستقرة للمعادن، مما يجعلها عرضة للاضطرابات الجيوسياسية.
وفيما يخص الملفات الساخنة مثل تايوان، تشير الحسابات الصينية الباردة إلى أن انشغال واشنطن بحروب الشرق الأوسط لا يعني بالضرورة فتح نافذة للتحرك العسكري ضد الجزيرة. فبكين تخشى أن تكون الولايات المتحدة «المعسكرة» أكثر خطورة واندفاعاً في أي مواجهة مباشرة بشأن تايوان.
ويدرك القادة الصينيون أن أي مغامرة عسكرية في مضيق تايوان ستؤدي إلى انهيار الأسواق المالية وتعطيل سلاسل الشحن العالمية بشكل لا يمكن احتواؤه. لذا، تظل الاستراتيجية الصينية مفضلة للأساليب غير المباشرة والضغوط الاقتصادية وتكتيكات «المنطقة الرمادية» لتحقيق أهدافها القومية دون صدام شامل.
وختاماً، تظل قمة شي وترامب المرتقبة هي الأمل الأخير لبكين لإدارة صراع النفوذ عبر القنوات الدبلوماسية وتجنب الانزلاق نحو حروب تجارية أو عسكرية مدمرة. فبكين تسعى لبناء علاقة عمل تضمن لها التنبؤ بالخطوات الأمريكية، بعيداً عن الارتجال الاستراتيجي الذي يطبع السياسة الخارجية الحالية لواشنطن.
שתף את דעתך
بكين تراقب واشنطن بحذر: لماذا تخشى الصين «الفوضى الأمريكية» أكثر من قوتها؟