يواجه جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً غير مسبوق يتسم باتباع جيش الاحتلال الإسرائيلي استراتيجية تدميرية شاملة، تهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الحدودية عبر محو معالم القرى والبلدات. وقد بدأت هذه العمليات تأخذ منحىً تصاعدياً منذ منتصف مارس 2026، حيث انتقلت القوات الإسرائيلية من التحرشات الحدودية إلى التوغل البري الممنهج داخل الأراضي اللبنانية.
وشهدت ليلة الثاني عشر من مارس تحولاً ميدانياً بارزاً حينما نفذت الفرقة 91 توغلات ليلية عميقة استهدفت منازل سكنية في عدة بلدات حدودية. وأفادت مصادر ميدانية بأن هذه التحركات تخللتها اشتباكات مباشرة، مما عكس رغبة الاحتلال في فرض واقع عملياتي جديد يتجاوز الخط الأزرق ويستهدف العمق السكني اللبناني.
ومع حلول الثالث والعشرين من مارس، بدأت ملامح سياسة 'الأرض المحروقة' تظهر بوضوح من خلال استهداف المعالم الدينية والمدنية، حيث وثقت مقاطع مصورة نسف مئذنة مسجد ومنازل في مدينة الخيام. هذا النهج التدميري لم يقتصر على أهداف عسكرية، بل امتد ليشمل البنية التحتية والرموز المحلية في محاولة لترهيب السكان ومنع استقرارهم.
وتطورت العمليات في الثامن والعشرين من مارس لتشمل تفجير مربعات سكنية كاملة بعبوات شديدة الانفجار، مما أدى إلى تسوية أحياء بأكملها بالأرض. وتزامن ذلك مع توغل إضافي من محور جبل الشيخ في اليوم التالي، حيث سعت قوات الاحتلال إلى توسيع ما تصفه بـ 'المنطقة الأمنية' لضمان سيطرة ميدانية أوسع على التلال الاستراتيجية.
الهدف هو تحويل القرى الحدودية إلى منطقة عازلة، ومنع عودة السكان اللبنانيين الذين نزحوا جراء العمليات.
وفي نهاية شهر مارس، كشفت لقطات جوية التقطتها طائرات مسيرة عن حجم الدمار الهائل الذي حل بالقرى الحدودية، في مشهد وصفه مراقبون بأنه استنساخ لـ 'نموذج غزة'. وأظهرت الصور الجوية اختفاء قرى كاملة عن الخريطة نتيجة عمليات النسف الممنهجة التي طالت آلاف الوحدات السكنية والمرافق العامة في المنطقة.
وجاءت التصريحات السياسية الإسرائيلية لتعزز هذه الوقائع الميدانية، حيث أكد وزير الأمن يسرائيل كاتس التوجه نحو تحويل القرى الحدودية إلى منطقة عازلة. وشدد كاتس على أن الخطة تهدف صراحة إلى منع عودة النازحين اللبنانيين إلى ديارهم، مما يشير إلى نية الاحتلال فرض تغيير ديموغرافي وجغرافي دائم في الجنوب.
ومع مطلع شهر أبريل الجاري، أعلن جيش الاحتلال انتقال العمليات إلى مرحلة جديدة بقيادة اللواء الثامن احتياط التابع للفرقة 91. ورغم الادعاءات بأن التركيز ينصب على استهداف البنى التحتية العسكرية ومستودعات الأسلحة، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى استمرار الغارات الجوية المكثفة التي تستهدف الأحياء المدنية المتبقية.
وتتصاعد المخاوف الدولية والإنسانية من تداعيات هذه السياسة التي تهدف إلى إفراغ الشريط الحدودي من سكانه وتحويله إلى منطقة فاصلة خالية من الحياة. ويضع هذا التدمير المنهجي الجنوب اللبناني أمام أزمة إنسانية طويلة الأمد، في ظل اتساع رقعة النزوح وتلاشي فرص العودة الآمنة للسكان إلى قراهم المدمرة.
שתף את דעתך
استراتيجية الأرض المحروقة: الاحتلال يمحو قرى حدودية في جنوب لبنان لفرض منطقة عازلة