بين ركام المنازل المهدمة وصفُوف الخيام المهترئة، يواجه سكان قطاع غزة فصولاً جديدة من المعاناة تتجاوز القصف المادي إلى جراح نفسية غائرة. يجسد الخمسيني رجاء العويضة هذه المأساة، حيث يجلس وحيداً بعد أن فقد أربعة من أبنائه وساقيه، ليجد نفسه محاصراً بصمت ثقيل داخل خيمة لا تقيه برد الشتاء ولا حر الصيف. يصف العويضة الواقع المرير مؤكداً أن الاكتئاب بات رفيقاً دائماً لغالبية السكان الذين يعانون من وطأة الغلاء والنزوح القسري.
تتفاقم الأزمة الصحية للمصابين في ظل إغلاق المعابر الحدودية، مما يحرم الآلاف من فرصة العلاج الضروري في الخارج لترميم أجسادهم المنهكة. ويشير العويضة بنبرة يملؤها العجز إلى أن حاجته للعلاج تصطدم بواقع سياسي وميداني مغلق، مما يزيد من حدة الضغوط النفسية التي يعيشها يومياً. هذه الحالة ليست فردية، بل تعكس واقعاً جماعياً يعيشه الجرحى الذين فقدوا أطرافهم ومستقبلهم في آن واحد.
في زاوية أخرى من مخيمات النزوح، تروي رانيا أبو نصيرة قصة نزوحها المريرة من بلدة بني سهيلا شرق خان يونس برفقة أطفالها الستة. رانيا التي كانت تأمل في عودة سريعة إلى منزلها، وجدت نفسها تقضي سنوات داخل خيمة ضيقة تفتقر لأبسط مقومات الكرامة الإنسانية. تصف الأم الفلسطينية الخيمة بأنها مساحة خانقة تلاشت فيها الخصوصية، حيث يتكدس أفراد العائلة في ظروف معيشية قاسية تزيد من حدة التوتر العصبي.
الاكتئاب أصبح لغة مشتركة في غزة؛ 99% من الناس محطمون نفسياً بسبب الخيام والغلاء والبعد عن الديار.
تؤكد المصادر أن الضغوط النفسية داخل الخيام وصلت إلى مرحلة الانفجار، حيث بات الأهالي يفقدون قدرتهم على ضبط أعصابهم تجاه أطفالهم نتيجة القلق الدائم. وتقول أبو نصيرة إن الحياة في هذه الظروف تشبه العيش في الشارع تماماً، حيث لا يتوفر الماء الكافي ولا تتوفر الحماية من أعين المارة. هذا الواقع المرير حوّل النزوح من إجراء وقائي مؤقت إلى سجن دائم ينهش في الصحة النفسية والجسدية للنازحين.
من جانبه، يوضح الأخصائي النفسي محمود عصفور أن قطاع غزة يشهد مستويات غير مسبوقة من الاضطرابات النفسية الناتجة عن تداخل عوامل الحرب والفقر. ويرى عصفور أن التحول الجذري والمفاجئ من حياة الاستقرار إلى واقع الخيام البدائي كان له أثر حاسم في تعميق الشعور بفقدان الأمان. الحرب لم تكتفِ بتدمير البنية التحتية، بل تركت وراءها دماراً نفسياً هائلاً يصعب ترميمه في ظل استمرار مسببات الصدمة.
باتت الخيام في غزة اليوم أكثر من مجرد مأوى مؤقت، إذ تحولت إلى فضاءات للانتظار الطويل لنهاية حرب لا تبدو خاتمتها قريبة في الأفق. يعيش السكان حالة من الترقب الدائم للعودة إلى حياة طبيعية تبدو اليوم أبعد من أي وقت مضى، وسط تجاهل دولي لمعاناتهم النفسية. إن استمرار هذه الظروف ينذر بكارثة اجتماعية وصحية طويلة الأمد، حيث تترسخ ملامح الاكتئاب الجماعي في وجدان جيل كامل من الناجين.
שתף את דעתך
ندوب لا تندمل.. الاكتئاب ينهش أرواح الناجين في خيام قطاع غزة