يظل الواقع الميداني في العراق هو المؤشر الحقيقي لقياس نجاح أو فشل الحكومات المتعاقبة، بعيداً عن محاولات التجميل الإعلامي. ومنذ صياغة العملية السياسية في عام 2003 تحت وطأة الاحتلال الأمريكي، اعتمدت البلاد نظام المحاصصة الطائفية والعرقية الذي قسم المجتمع إلى كتل متناحرة.
شهدت السنوات الماضية محاولات مستمرة من قبل بعض القوى السياسية للتفرد بالقرار العام والاستحواذ على مفاصل الدولة الحساسة، لا سيما الأجهزة الأمنية. هذا النهج أدى إلى إضعاف مفهوم الشراكة الوطنية وتحويل 'التوافق السياسي' إلى شعار هش يفتقر للتطبيق الفعلي على أرض الواقع.
لقد أدت السياسات الإقصائية إلى غياب وجوه بارزة من المكون السني عن المشهد، سواء عبر الملاحقات القضائية أو النفي القسري. ومن أبرز هؤلاء طارق الهاشمي وعدنان الدليمي، بالإضافة إلى تهميش قيادات أخرى مثل صالح المطلك وأسامة النجيفي وسليم الجبوري.
رغم بروز قيادات سنية جديدة في العقد الأخير، إلا أن التساؤلات لا تزال قائمة حول مدى قدرتها على تحصيل حقوق ناخبيها في ظل هيمنة القوى الكبرى. إن إقصاء أي مكون يمثل ثقلاً ديموغرافياً يعطل بناء دولة المواطنة ويكرس حالة الفوضى المؤسساتية.
على الجانب الكردي، تظهر الأحزاب السياسية تماسكاً نسبياً، خاصة الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود برزاني. ورغم محاولات بعض القوى في بغداد عزل هذا الحزب وتجاوزه في استحقاقات رئاسة الجمهورية، إلا أن ثقله السياسي يجعله رقماً صعباً في أي معادلة.
تعاني القوى المنضوية تحت لواء 'الإطار التنسيقي' من انقسامات داخلية حادة ناتجة عن التنافس على المناصب السيادية. هذا الصراع لا يقتصر على توزيع الحصص، بل يمتد ليشمل صراعاً بين الجيل الأول المؤسس والجيل الثاني الطامح للسلطة.
تخشى قيادات الجيل الأول من فقدان السيطرة في حال تسليم زمام الأمور لشخصيات شابة، مستشهدة بتجارب سابقة أظهرت تمرد المرشحين على مرجعياتهم الحزبية. هذا الحذر يعيق عملية التجديد السياسي ويجعل قادة الظل متمسكين بإدارة المشهد بشكل مباشر.
إنّ محاولات إقصاء مكونات أساسية في العراق خطوة سقيمة ستُبقي حالة اللا دولة، ولا تبني دولة المواطنة.
تتزايد التحذيرات من تداعيات تفكك التوافقات السياسية بين المكونات المختلفة، مما يفتح الباب أمام تدخلات خارجية أوسع. ويرى مراقبون أن استمرار هذا التشرذم سيعزز من قدرة القوى الدولية على التحكم بالقرار السياسي والسيادة الاقتصادية للعراق.
نقلت مصادر إعلامية تحذيرات وصفت بالخطيرة من قبل السياسي عزت الشاهبندر، الذي أشار إلى أن القادم قد يكون أسوأ مما يتوقعه الكثيرون. هذه التصريحات تعكس حالة القلق السائدة في الأوساط السياسية من انفجار الأوضاع نتيجة الانسداد الراهن.
تواجه بغداد ضغوطاً أمريكية متزايدة، حيث أفادت تقارير بأن إدارة ترامب وضعت الحكومة أمام خيارين: كبح جماح الفصائل المسلحة أو مواجهة إفلاس مالي شامل. هذه الضغوط وضعت القوى الحاكمة في موقف محرج يهدد المكاسب التي حققتها خلال السنوات الماضية.
في محاولة لتجاوز الأزمة، تم طرح اسم علي الزيدي كمرشح جديد لرئاسة الوزراء من خارج الدوائر التقليدية للإطار التنسيقي. ومع ذلك، يشكك متابعون في جدية هذا الترشيح، معتبرين إياه مناورة لكسب الوقت وتجنب الوقوع في فراغ دستوري جديد.
يبقى التساؤل مطروحاً حول ما إذا كان الزيدي سيتمكن من نيل ثقة البرلمان، أو ما إذا كان قد قدم تعهدات مسبقة تضمن عدم خروجه عن الخطوط العريضة للقوى المهيمنة. إن العراقيين باتوا يرفضون تحويل بلادهم إلى مختبر للتجارب السياسية الفاشلة.
إن جوهر المشكلة في العراق لا يكمن فقط في أسماء الشخوص، بل في نهج الإدارة القائم على توليد الأزمات وتجاهل المعارضة. هذا السلوك السياسي يكرس الانطباع بأن الدولة تدار لصالح فئة واحدة على حساب بقية أطياف الشعب.
يتطلب الخروج من هذا المنحدر المخيف تغليباً للغة العقل والكف عن السياسات المزاجية والإقصائية تجاه شركاء الوطن. إن استعادة عافية العراق مرهونة بتسليم زمام الأمور للكفاءات الوطنية بعيداً عن الانتماءات الطائفية أو القومية الضيقة.
שתף את דעתך
أزمة الحكم في العراق: صراع الأجيال وتحديات الإقصاء السياسي