ב 01 יונ 2026 10:54 pm - שעון ירושלים

دروس من التجربة التونسية: كيف تتجنب سوريا فخاخ 'اليوم التالي'؟

شهدت إحدى العواصم الأوروبية مؤخراً ندوة فكرية جمعت نخبة من الشخصيات السورية الفاعلة، من سياسيين وتكنوقراط، مع فاعلين في التجربة التونسية لاستعراض استخلاصات 'اليوم التالي' للثورات. وناقشت الجلسة كيف يمكن تحويل الحراك الشعبي إلى دولة مؤسسات مستقرة، مع التركيز على التجربة التونسية ليس كنموذج للنجاح المطلق، بل كجرس إنذار مبكر للأخطاء التي قد تعترض المسارات الانتقالية.

تُظهر التجربة التونسية المريرة أن إسقاط الأنظمة الاستبدادية ليس الجزء الأصعب في مسيرة التغيير، بل إن التحدي الحقيقي يبدأ في بناء عقد وطني جامع واقتصاد منتج. فالحرية تصبح هشّة في نظر المواطن إذا لم تقترن بنتائج اجتماعية ملموسة، حيث يبدأ الناس تدريجياً في تحميل الديمقراطية مسؤولية فشل النخب السياسية، مما يفتح الباب أمام الحنين إلى عهود الاستبداد.

أحد أبرز الأخطاء التي وقعت فيها تونس كان التركيز على تغيير النظام السياسي مع الإبقاء على هيكلية الاقتصاد الريعي القديم كما هي دون مساس. هذا الاقتصاد القائم على 'الرخص والامتيازات' سمح لشبكات المصالح واللوبيات بالاستمرار في التحكم بقطاعات حيوية مثل الاستيراد والخدمات الكبرى، مما أعاق طموحات الشباب ورواد الأعمال.

إن الثورة التي تفتح المجال السياسي وتغلق المجال الاقتصادي تظل منقوصة، حيث يجد الفاعلون الجدد أنفسهم قد غيروا 'أصحاب المكاتب' دون امتلاك 'مفاتيح الخزينة'. وهذا الدرس يعد جوهرياً للحالة السورية التي تواجه دماراً واسعاً وتعقيدات إقليمية وعسكرية تتطلب رؤية اقتصادية واضحة تكسر الاحتكارات منذ اللحظة الأولى.

تؤكد القراءات التحليلية أن لا استقرار حقيقي بلا دولة فعالة، ولا شرعية دائمة بلا اقتصاد يخلق الأمل في نفوس المواطنين المتعبين من الحروب. إعادة الإعمار في سوريا لن تكون كافية وحدها ما لم يصاحبها تفكيك كامل للبنى الاقتصادية القديمة ومنع هيمنة العائلات أو القوى العسكرية الجديدة على مقدرات البلاد.

يصطدم الإصلاح الحقيقي دائماً بمقاومات شرسة من قوى مستفيدة من الوضع القائم، تشمل بيروقراطيات معطلة وشبكات فساد منظم قد تخترق حتى النخب الجديدة. وفي تونس، تمت إدارة الانتقال بمنطق التوافقات السياسية الهشة بدلاً من إعادة هندسة الدولة، مما سمح للمنظومة القديمة بالتكيف والالتفاف على أهداف الثورة.

تعتبر الرقمنة الشاملة أهم سلاح سياسي لكسر هذه المقاومات وفرض الشفافية، حيث إن كل خدمة يتم تحويلها رقمياً تقلص من سلطة اللوبيات وفرص الارتشاء. الإدارة الورقية والتعقيدات البيروقراطية كانت دائماً الخندق الذي يحتمي به الفساد في المنطقة العربية، وتجاوزها هو الخطوة الأولى نحو بناء دولة حديثة.

تحتاج الدول الخارجة من الاستبداد إلى بوصلة إصلاح واضحة تعتمد على المؤشرات الدولية القابلة للقياس في مجالات الحوكمة والشفافية وحرية الصحافة. ومن الذكاء الاستراتيجي أن تسعى سوريا الجديدة لتحسين ترتيبها العالمي في هذه المؤشرات، لأنها تمثل رسائل ثقة للمستثمرين وآليات حماية ضد عودة الفساد.

تشير البيانات المتاحة إلى أن سوريا بدأت بالفعل في تسجيل تحسن ملحوظ في بعض المؤشرات الدولية خلال السنة الأولى التي تلت سقوط النظام السابق. وفي المقابل، شهدت تونس تراجعاً في هذه التصنيفات بعد سنوات من وصفها بالنموذج الديمقراطي الوحيد، مما يستوجب الحذر من التراخي في حماية المكتسبات.

الدرس السياسي الأهم هو أن الديمقراطية قد تموت عبر الصندوق نفسه الذي أنتجها، فهي معركة يومية ضد الردة وليست مكسباً نهائياً يُحرز لمرة واحدة. الردة لا تأتي دائماً عبر الانقلابات العسكرية التقليدية، بل قد تتسلل عبر انتخابات تستغل إحباط الناس من أداء النخب المنشغلة بمعارك الهوية والسلطة.

وقعت النخب التونسية في فخ الانشغال بسؤال 'من يحكم؟' على حساب سؤال 'كيف سنبني الدولة؟'، مما ترك فراغاً استغله من قدموا إجابات شعبوية. هذا الانشغال بالصراعات الأيديولوجية أدى إلى تأجيل الإصلاحات الهيكلية الصعبة، وهو ما دفع ثمنه المسار الديمقراطي برمته في نهاية المطاف.

يُعد تأجيل الإصلاحات خوفاً من الكلفة السياسية خطراً داهماً على الدولة يفوق خطر الإصلاح نفسه، خاصة في العامين الأولين من المرحلة الانتقالية. هذه الفترة تمثل لحظة تاريخية نادرة تكون فيها الشرعية في ذروتها، ومن لا ينجز إصلاحاته الجوهرية في هذه النافذة الزمنية قد لا ينجزها أبداً.

فيما يخص العلاقة مع المؤسسات الدولية، يجب تجنب التبعية المطلقة أو الرفض الشعبوي الذي يخلط بين السيادة ورفض الإصلاحات الضرورية للتمويل. الطريق الثالث يكمن في الشراكة الحقيقية، حيث تذهب الدولة بخطة وطنية واضحة وأولويات محددة لحماية الفئات الهشة، لتتفاوض من موقع الشريك القوي.

ختاماً، الرسالة الموجهة للسوريين هي ضرورة تحويل الثورة من ذاكرة مجيدة إلى دولة عادلة ومؤسسات تبني الثقة بشكل سريع وممنهج. إن إهدار الوقت ليس في صالح القوى الديمقراطية، فالزمن غالباً ما يكون حليفاً للذين خسروا الجولة الأولى وينتظرون لحظة ضعف الدولة الجديدة للانقضاض عليها مجدداً.

תגים

שתף את דעתך

دروس من التجربة التونسية: كيف تتجنب سوريا فخاخ 'اليوم التالي'؟

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.