وصل رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أول السعيد شنقريحة، إلى العاصمة العمانية مسقط في زيارة رسمية بدأت في الحادي والثلاثين من مايو 2026. وتأتي هذه الخطوة تلبية لدعوة من الفريق الركن بحري عبد الله بن خميس الرئيسي، رئيس أركان قوات السلطان المسلحة، لبحث آفاق التعاون العسكري المشترك.
تكتسي هذه المحطة أهمية بالغة بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لسلطنة عمان المطلة على مضيق هرمز، الذي يعد شريان الطاقة العالمي. وتهدف المباحثات إلى تنسيق المواقف الأمنية في ظل التوترات المتصاعدة والعمليات العسكرية الجارية في المنطقة، والتي تثير قلقاً دولياً واسعاً.
تشير هذه الزيارة إلى رغبة القيادة العسكرية الجزائرية في تنويع شراكاتها الأمنية وتوسيع نفوذها الدبلوماسي في منطقة الخليج العربي. وقد أفادت مصادر بأن اللقاءات ستتطرق إلى تبادل الخبرات العسكرية وتطوير آليات العمل المشترك لمواجهة التحديات الأمنية الراهنة التي تعصف بالإقليم.
تعد زيارة مسقط امتداداً لسلسلة من التحركات المكثفة التي قادها شنقريحة نحو العواصم الخليجية المؤثرة خلال العامين الماضيين. ففي مطلع عام 2026، شارك رئيس الأركان في معرض ومؤتمر الدوحة الدولي للدفاع البحري 'ديمدكس' بدولة قطر، حيث أجرى لقاءات رفيعة المستوى.
كما شهدت العلاقات العسكرية مع المملكة العربية السعودية قفزة نوعية، تمثلت في زيارة شنقريحة للرياض في فبراير 2024 ممثلاً للرئيس عبد المجيد تبون. وقد أثمرت تلك الزيارة عن وضع محاور استراتيجية لتعاون منظم ومتكامل بين الجيشين الجزائري والسعودي في مختلف المجالات.
وفي دولة الكويت، أجرى الفريق أول السعيد شنقريحة مباحثات موسعة في نوفمبر 2024 شملت لقاءات مع وزير الدفاع ورئيس الحرس الوطني. وتركزت تلك النقاشات على تطوير القدرات الدفاعية وتعزيز التنسيق الأمني، مستندة إلى الزخم الذي وفره التقارب السياسي بين البلدين.
وعلى النقيض من هذا الانفتاح الواسع، يبرز غياب دولة الإمارات العربية المتحدة عن أجندة الزيارات العسكرية الجزائرية بشكل لافت. ويعكس هذا الغياب حالة الفتور والتوتر التي طبعت العلاقات بين البلدين في السنوات الأخيرة، بعد فترة من الازدهار والتعاون الصناعي العسكري السابق.
العالم يشهد تحولات جيوسياسية متسارعة وخطيرة، مما يستوجب إدراك تداعيات هذه المتغيرات على دول الجنوب.
يرى مراقبون أن التوجه الجزائري الجديد يعكس استراتيجية 'توازن القوى' في المنطقة، والابتعاد عن المحاور التي قد تضر بالمصالح الوطنية. وقد تراجعت مستويات التنسيق مع أبوظبي بشكل تدريجي، تزامناً مع اتهامات وجهتها أطراف سياسية جزائرية للإمارات بلعب أدوار إقليمية غير متوافقة مع الرؤية الجزائرية.
تؤكد الجزائر من خلال هذه التحركات على تمسكها بمبادئ القانون الدولي ورفض التدخلات العسكرية الخارجية التي تزيد من تعقيد الأزمات. وحذر شنقريحة في تصريحات سابقة من أن تراجع دور المنظمات الدولية يفتح الباب أمام عودة خيارات الحرب التي تهدد استقرار دول الجنوب بشكل مباشر.
الموقف الرسمي الجزائري، الذي يعبر عنه الرئيس عبد المجيد تبون، يشدد دائماً على ضرورة احترام سيادة الدول وتجنب تحويل المنطقة إلى ساحة للصراعات المفتوحة. وتأتي هذه الزيارات العسكرية لتترجم هذا الموقف السياسي إلى خطوات عملية تعزز من أمن واستقرار الدول الشقيقة في الخليج.
تتطلع المؤسسة العسكرية الجزائرية من خلال هذه اللقاءات إلى بناء شبكة أمان إقليمية تعتمد على التعاون البيني والاعتماد المتبادل. ويشمل ذلك مجالات التصنيع العسكري، والتدريب المتقدم، وتبادل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بمكافحة الإرهاب وتأمين الممرات الملاحية الحيوية.
إن الحركية المتزايدة للجيش الجزائري في الخليج تعكس أيضاً تطور القدرات الدفاعية الجزائرية ورغبتها في تصدير تجربتها في مكافحة التهديدات غير النمطية. وتجد هذه الرغبة صدى إيجابياً في عواصم مثل مسقط والدوحة والكويت، التي تشترك مع الجزائر في رؤى سياسية متقاربة تجاه قضايا المنطقة.
بالإضافة إلى الجانب العسكري، تحمل هذه الزيارات رسائل سياسية قوية حول طبيعة التحالفات القادمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فالجزائر تسعى لتمتين جبهتها الخارجية عبر بناء علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية الصاعدة، بعيداً عن الاستقطابات الحادة التي ميزت العقد الماضي.
ختاماً، تظل زيارة شنقريحة إلى سلطنة عمان علامة فارقة في مسار الدبلوماسية العسكرية الجزائرية، حيث تضع لبنة جديدة في بناء علاقات استراتيجية طويلة الأمد. ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة مزيداً من التنسيق العملياتي الذي يخدم المصالح المشتركة ويحمي الأمن القومي العربي.
שתף את דעתך
تحركات عسكرية جزائرية مكثفة في الخليج: شنقريحة في مسقط لتعزيز الشراكات الاستراتيجية