أقرت الحكومة الإسرائيلية، عبر المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت)، حزمة من القرارات التي تستهدف تغيير الوضع القانوني القائم في الضفة الغربية المحتلة منذ عام 1967. وتهدف هذه الخطوات، التي دفع بها وزيرا الدفاع يسرائيل كاتس والمالية بتسلئيل سموتريتش، إلى إحكام السيطرة المدنية والعسكرية على الأراضي الفلسطينية وتسهيل عمليات التوسع الاستيطاني.
وتضمنت القرارات الجديدة إلغاء القانون الأردني الساري الذي كان يحظر بيع الأراضي للفلسطينيين فقط، مما يفتح الباب أمام المستوطنين لشراء العقارات بشكل مباشر. كما شملت الإجراءات رفع السرية عن سجلات الأراضي، وهو ما يتيح للمشترين الإسرائيليين الوصول المباشر لبيانات الملاك الفلسطينيين وتجاوز العقبات القانونية السابقة.
وفي خطوة وصفت بالخطيرة، قرر الكابينت نقل صلاحيات ترخيص البناء في التجمعات الاستيطانية بمدينة الخليل من البلدية الفلسطينية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية. ويمثل هذا القرار انتهاكاً صريحاً لبروتوكول الخليل الموقع عام 1997، والذي يمنح الصلاحيات التخطيطية للبلدية الفلسطينية، مما يمهد لتوسيع البؤر الاستيطانية داخل قلب المدينة التاريخية.
وامتدت القرارات لتشمل سحب صلاحيات إدارية في المناطق المصنفة (أ) و(ب)، والتي تقع اسمياً تحت السيطرة الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو. وتسمح هذه التعديلات لسلطات الاحتلال بالتدخل المباشر وهدم المباني الفلسطينية تحت ذرائع حماية المواقع الأثرية والتراثية أو الحفاظ على البيئة والموارد المائية.
وعلى الصعيد المالي، واصلت الحكومة الإسرائيلية سياسة احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية والاقتطاع منها بشكل أحادي، وهي الخطوة التي تصاعدت منذ أكتوبر 2023. وتخالف هذه الإجراءات بروتوكول باريس الاقتصادي لعام 1994، الذي يلزم تل أبيب بتحويل الضرائب المحصلة بانتظام ودون شروط سياسية مسبقة.
كما استهدفت القرارات تقييد حركة القيادات الفلسطينية من خلال سحب بطاقات (V.I.P)، مما يعيق قدرتهم على التنقل وأداء مهامهم الرسمية. وتأتي هذه الخطوة في سياق الضغوط السياسية والأمنية التي تمارسها حكومة نتنياهو لإضعاف مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية وتهميش دورها السياسي.
من جانبه، صرح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش خلال اقتحامه لبلدة نعلين بأن هذه القرارات تهدف بوضوح إلى القضاء على فكرة إقامة دولة فلسطينية. وأكد سموتريتش أن الحكومة تعمل على تطبيع حياة المستوطنين في الضفة الغربية ومعاملتهم كجزء من النسيج المدني الإسرائيلي، في إشارة واضحة لسياسة الضم الفعلي.
هذه القرارات تهدف إلى إحداث تغيير جذري في الواقع القانوني والمدني بالضفة بغية تعزيز السيطرة الكاملة عليها.
وفي ردود الفعل الدولية، أدان الاتحاد الأوروبي هذه الإجراءات، واصفاً إياها بأنها خطوة أخرى في الاتجاه الخاطئ وتمهد الطريق لضم غير قانوني. وأكد المتحدث باسم الاتحاد، أنور العنوني أن المجتمع الدولي لا يعترف بأي سيادة إسرائيلية على الأراضي المحتلة عام 1967، مشدداً على أن هذه الخطوات تقوض فرص السلام.
وعلى المستوى العربي، نددت دول عدة بينها السعودية والأردن والإمارات ومصر بهذه القرارات، معتبرة إياها انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن. وحذر بيان مشترك لوزراء خارجية دول إسلامية وعربية من أن هذه الإجراءات تمثل اعتداءً على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
وفي سياق متصل، طالب الرئيس الفلسطيني محمود عباس، خلال لقائه بالعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، الإدارة الأمريكية بالتدخل لوقف هذه التجاوزات. ودعا عباس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للالتزام بتعهداته السابقة بوقف عمليات التهجير والضم، مطالباً بعقد اجتماعات طارئة لمجلس الأمن والجامعة العربية.
ميدانياً، تزامنت هذه القرارات مع تصعيد عسكري واسع في مختلف مدن الضفة الغربية، حيث نفذت قوات الاحتلال عمليات هدم لمنشآت زراعية وتجارية في نعلين وبيت حنينا. كما سجلت إصابات برصاص الاحتلال في بلدة إذنا ومعبر ترقوميا، وسط اقتحامات متكررة لقرى ترمسعيا والمغير وشقبا.
وتشير الإحصائيات إلى أن وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية سجلت أرقاماً قياسية منذ بدء الحرب على غزة، حيث ارتقى أكثر من 1112 شهيداً. كما تجاوز عدد المعتقلين في سجون الاحتلال 21 ألف فلسطيني، في ظل ظروف اعتقال قاسية واقتحامات يومية للمدن والمخيمات.
ويرى مراقبون أن تشريع البؤر الاستيطانية التي كانت توصف سابقاً بأنها غير قانونية بموجب القانون الإسرائيلي نفسه، يمثل ذروة التحدي للشرعية الدولية. وتخالف هذه الخطوة المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة وقرار مجلس الأمن رقم 2334، اللذين يحظران نقل السكان المدنيين للقوة المحتلة إلى الأراضي الخاضعة للاحتلال.
تأتي هذه التطورات في وقت حساس، حيث تسعى الحكومة الإسرائيلية الحالية لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل أي تحركات دبلوماسية دولية محتملة. ويبقى الواقع الميداني في الضفة الغربية مرشحاً لمزيد من التصعيد في ظل إصرار الاحتلال على تنفيذ مخططات الضم وتوسيع الاستيطان بشكل غير مسبوق.
شارك برأيك
6 مخالفات قانونية جسيمة في قرارات الاحتلال لتعميق ضم الضفة الغربية