متفرقات

الخميس 02 أبريل 2026 10:18 صباحًا - بتوقيت القدس

جدران البيروقراطية: كيف تحاصر 'التأشيرة' حركة المثقف العربي؟

لم تعد معركة المثقف العربي مع تأشيرات السفر مجرد إجراء إداري عابر، بل تحولت بمرور الوقت إلى عائق غير مرئي يعرقل حركة الثقافة العربية في الفضاء العالمي. يجد المبدع نفسه، وهو المفترض أن يكون وسيطاً بين الحضارات، أسيراً لحدود الجغرافيا وتعقيدات البيروقراطية التي لا تفرق بين طالب لجوء وقامة فكرية.

هذه المفارقة ليست وليدة اللحظة في التاريخ الثقافي العربي المعاصر، فقد واجهت قامات كبرى صعوبات مماثلة في التنقل. المفكر الراحل إدوارد سعيد مُنع في مناسبات عدة من دخول وطنه فلسطين، كما واجه الشاعر محمود درويش تحديات جسيمة خلال مشاركاته في المحافل الدولية، وهو ما ينسحب أيضاً على تجربة الشاعر العراقي سعدي يوسف.

تتجلى المفارقة الصارخة في أن الدعوات الموجهة للمثقفين للمشاركة في المؤتمرات غالباً ما تفيض بعبارات التقدير والاحتفاء. ومع ذلك، يصطدم المدعوون بمسار طويل من الإجراءات المهينة في السفارات، حيث يضطر المبدع لإثبات هويته ومكانته المهنية رغم وجود دعوات رسمية من جهات عليا.

الفيلسوف السوري أحمد نسيم برقاوي وصف هذه المنظومة الإدارية بأنها 'أختام بلا عقل'، في إشارة إلى القرارات التي تمنع مفكراً معروفاً من السفر. ويرى برقاوي أن هذه الممارسات تعكس غياب المنطق في التعامل مع النخب الثقافية التي تحمل رسائل تنويرية تتجاوز الحدود السياسية الضيقة.

من جانبه، يشير الصحفي المصري سيد محمود إلى أن تجربة طلب التأشيرة قد تتحول إلى تجربة مهينة للمبدع في كثير من الأحيان. وقد اضطر محمود مؤخراً للاعتذار عن منتدى دولي في إيطاليا بسبب هذه التعقيدات، ليكتشف لاحقاً أن الفعالية أُلغيت بسبب فشل زملائه أيضاً في الحصول على التأشيرات.

أما الشاعر المغربي عبد الرحيم الخصار، فيسلط الضوء على مشكلة ضعف الدعم المؤسسي الرسمي للمبدعين العرب في بلدانهم. ويؤكد الخصار أن سفر معظم المبدعين يتم بجهود فردية وتمويل شخصي، مما يجعلهم لقمة سائغة لقرارات الرفض غير المبررة التي تصدرها القنصليات دون تقديم تفسيرات واضحة.

وتزداد حدة الأزمة عندما تتحول مواعيد التأشيرات إلى تجارة تديرها مكاتب وسيطة، مما يجعل الوصول إلى السفارة امتيازاً صعب المنال. هذا الوضع دفع العديد من المثقفين إلى الشعور بالإحباط وتفضيل العزلة أو الاعتذار عن المشاركات الخارجية تجنباً لإهانات الانتظار في طوابير السفارات.

يروي برقاوي بمرارة تجاربه مع دول عربية وأجنبية، حيث رفضت كل من مصر والمغرب والسعودية والكويت وتونس منحه تأشيرات للمشاركة في ندوات فكرية. حتى ألمانيا، التي تُصنف كدولة ديمقراطية، حالت دون دخوله للمشاركة في حوارات ثقافية، مما يعكس شمولية الأزمة وتجاوزها للحدود الإقليمية.

الروائية المصرية سهير المصادفة تقارن بين واقع الكاتب العربي وزميله الأوروبي الذي يتنقل بحرية مطلقة بين دول القارة. وترى المصادفة أن هذه القيود لا تضر الأفراد فحسب، بل تقتل فرص التبادل الثقافي الحيوي بين المجتمعات التي تتقاسم اللغة والتاريخ نفسه.

تتعدد التفسيرات لهذه الظاهرة، حيث يربطها البعض باعتبارات أمنية وسياسية بحتة، بينما يراها آخرون انعكاساً لصور نمطية سلبية عن المنطقة. ويرى الخصار أن التخوف من الهجرة غير النظامية بات يؤثر سلباً حتى على الملفات الأكاديمية والثقافية الرصينة، مما يقلص مساحات الحوار العالمي.

يتساءل المثقفون اليوم عن جدوى هذه الجدران في زمن العولمة الرقمية والمنصات التي تتيح للأفكار العبور دون استئذان. فالمثقف قادر على الوصول لجمهوره عبر الإنترنت، لكن غياب اللقاء المباشر يفقد العملية الإبداعية زخمها الإنساني وتأثيرها المتبادل الذي لا يمكن تعويضه افتراضياً.

إن منع الحوار بين أبناء البلدان العربية، أو بين النخبة العربية والغرب، يمثل اعتداءً صارخاً على حق العقل في التفكير والتواصل. هذه الممارسات تكرس المركزية الأوروبية وتعزل المجتمعات عن بعضها البعض، مما يحول الحدود الجغرافية إلى سجون فكرية تمنع ولادة الجديد من رحم الحوار.

يبقى السؤال مطروحاً حول ضرورة إعادة النظر في موقع المثقف داخل السياسات الدولية واتفاقيات التنقل بين الدول. فمن غير المنطقي أن تظل 'الفيزا' جداراً يحول دون تطور الأفكار في وقت يدعي فيه العالم الانفتاح والتحول إلى قرية صغيرة بفضل التكنولوجيا.

ختاماً، فإن استمرار حصار المثقف العربي خلف جدران التأشيرات يفرغ العمل الثقافي من محتواه ويحوله إلى نشاط محلي محدود. إن تحرير حركة المبدعين هو الخطوة الأولى نحو بناء جسور حقيقية للتفاهم الإنساني، بعيداً عن 'أختام' البيروقراطية التي تفتقر للحس الثقافي والوعي الحضاري.

دلالات

شارك برأيك

جدران البيروقراطية: كيف تحاصر 'التأشيرة' حركة المثقف العربي؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.