تتصاعد المؤشرات الميدانية على عجز جيش الاحتلال الإسرائيلي في التعامل مع التهديد المتنامي للطائرات المسيرة التي يطلقها حزب الله، حيث أثبتت هذه الأسلحة فاعلية كبيرة في استهداف القوات والمواقع العسكرية. ورغم تراكم المعلومات الاستخباراتية والتحذيرات المسبقة، إلا أن المؤسسة العسكرية لم تكن مستعدة لهذا النوع من الحروب، مفضلة التذرع بصعوبات الميزانية وتعقيدات سلاسل الإمداد العالمية.
أكد المحرر العسكري أمير بوخبوط أن جيش الاحتلال يواجه صعوبة بالغة في تحييد خطر الطائرات الانتحارية، مشيراً إلى أن هذه المعضلة كانت واضحة منذ سنوات طويلة. وأوضح أن الجيش استمر في اختلاق الأعذار بدلاً من إيجاد حلول حقيقية، مما جعل القوات في الميدان مكشوفة أمام ضربات دقيقة لا تستطيع المنظومات الدفاعية الحالية التعامل معها بفعالية.
أشار التقرير إلى أن جيش الاحتلال أضاع فرصاً زمنية كافية للاستعداد لتهديدات الطائرات المسيرة البصرية، وخاصة طائرات 'ريسر' (FPV) التي تمتاز بسرعات عالية تتراوح بين 150 و200 كم/ساعة. هذه الطائرات تمثل تحدياً تقنياً كبيراً لصعوبة تحديد مسارها أو اعتراضها بالوسائل التقليدية، مما يمنح حزب الله تفوقاً تكتيكياً في المواجهات المباشرة.
تطرق التحليل إلى محاولات الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة تطوير قدراتها الجوية، حيث تم إحباط عمليات تهريب لمئات الطرود البريدية عبر معبر إيرز في عام 2019 كانت تحتوي على قطع لطائرات بدون طيار. ومع مرور الوقت، طورت المقاومة أساليبها من خلال طلب قطع الغيار بشكل منفصل لتضليل أجهزة الأمن، مما مكنها من بناء ترسانة جوية مؤثرة.
في عام 2021، صدر تقرير عن مراقب الدولة انتقد فيه بشدة ضعف الاستعدادات لمواجهة خطر الطائرات المسيرة، وهو ما استغله حزب الله لتكثيف عملياته الجوية. وقد نجحت مسيرات الحزب في اختراق الأجواء الإسرائيلية بحرية كبيرة، مما كشف عن فجوات هائلة في منظومة الدفاع الجوي التي تركزت لسنوات على الصواريخ الباليستية والقذائف.
شكلت الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022 درساً قاسياً لم يستفد منه الاحتلال، رغم تدوين الاستنتاجات في كتيبات ضخمة داخل هيئة الأركان. فبينما كانت المسيرات تغير قواعد اللعبة في شرق أوروبا، بقيت المشاريع الدفاعية الإسرائيلية تراوح مكانها دون بلورة مشروع ضخم يقلص الفجوة التكنولوجية أمام التهديدات المتزايدة.
كانت المخاطر معروفة للجميع، لكن الجيش لم يستيقظ، وفي كل مرة كان يختلق الأعذار لتبرير الفشل في مواجهة المسيرات.
جاءت أحداث السابع من أكتوبر 2023 لتؤكد هذا الفشل، حيث استخدمت حماس الطائرات المسيرة في المرحلة الأولى لتعطيل منظومات المراقبة والإنذار المبكر على طول الحدود. هذا الهجوم المنسق مهد الطريق لاستهداف ناقلات الجند والدبابات، وأثبت أن سنوات التهريب والتطوير قد أتت أكلها في شل قدرات الجيش التقنية في اللحظات الحاسمة.
أوضحت مصادر عسكرية أن نشاط المسيرات في المنطقة السورية كان بمثابة مختبر تجارب للجماعات المسلحة التي استنسخت أنماط العمل من ميادين القتال في العراق وآسيا. وقد بلغت هذه العمليات ذروتها في ديسمبر 2024، عندما ساهمت الهجمات الجوية المكثفة بالمسيرات في الإطاحة بالنظام السوري، مما عكس تحولاً جذرياً في موازين القوى الإقليمية.
يرى الخبراء أن الحل لهذا التهديد الفتاك يتطلب قرارات حاسمة، أولها كسر احتكار الشركات الأمنية الكبرى وفتح المجال أمام الشركات الصغيرة والمبتكرة لتقديم حلول ميدانية سريعة. فمن غير المنطقي أن تصدر الشركات الإسرائيلية تقنيات متطورة للعالم بينما يعاني جيشها من نقص في الحلول الدفاعية الفعالة ضد المسيرات الانتحارية.
يتطلب المسار الثاني لبناء القوة التركيز على المجال السيبراني والحلول الارتجالية الميدانية، على غرار ما يفعله الجيش الأوكراني الذي يطور أدواته بشكل شهري لمواجهة التهديدات المتغيرة. إن الاعتماد على المنظومات الثقيلة والمكلفة لم يعد كافياً لمواجهة طائرات رخيصة التكلفة وعالية الدقة في إصابة أهدافها.
في الختام، يبدو أن استمرار الاحتلال في عدوانه دون إيجاد حلول جذرية لهذه الفجوة العملياتية سيزيد من حجم الخسائر البشرية والمادية. ومع بقاء شريط أمني بطول 50 كيلومتراً في جنوب لبنان تحت رحمة مسيرات حزب الله، فإن جيش الاحتلال يجد نفسه في استنزاف يومي مستمر دون أفق واضح لإنهاء هذا التهديد الجوي.
شارك برأيك
اعترافات إسرائيلية بالعجز: مسيرات حزب الله تفرض واقعاً ميدانياً جديداً وسط فشل منظومات الدفاع