أعادت الضربات الصاروخية الإيرانية الأخيرة التي استهدفت العمق الإسرائيلي تسليط الضوء على أزمة هشاشة البنية التحتية والمباني السكنية. وقد أظهرت الانهيارات التي طالت الأسقف والجدران في عدة مناطق صعوبة بالغة لدى الجهات الحكومية في التمييز بين الأضرار الناتجة عن الصواريخ وتلك التي حدثت نتيجة ضعف البناء الذاتي.
وفي هذا السياق، حذر الجنرال أريئيل هايمان، الباحث الأول في معهد دراسات الأمن القومي، من أن هذه الحوادث ليست معزولة بل تعكس واقعاً متردياً. وأشار هايمان إلى أن مدناً مثل حولون ورامات غان شهدت انهيارات لمبانٍ سكنية في سنوات سابقة دون تعرضها لهجمات، مما يثير تساؤلات جدية حول قدرة المنشآت الحالية على الصمود.
وأكد الخبير الإسرائيلي أن وقوع زلزال في المنطقة سيؤدي إلى نتائج كارثية تتجاوز قدرة الدولة على الاحتمال، حيث تشير التقديرات إلى احتمال انهيار نحو 28,600 مبنى بشكل كامل. كما أوضح أن الأضرار ستلحق بنحو 290 ألف مبنى آخر، مما سيخلق أزمة إيواء غير مسبوقة في تاريخ الاحتلال.
وتشير الأرقام التي استعرضها هايمان إلى أن الكارثة المتوقعة قد تسفر عن سقوط 7 آلاف قتيل وإصابة 9 آلاف آخرين بجروح خطيرة. وتستند هذه الإحصائيات إلى محاكاة دقيقة ضمن برنامج الاستعداد الوطني للزلازل، وليست مجرد توقعات عشوائية، مما يستوجب استعداداً فورياً لمواجهة هذا السيناريو.
وعلى صعيد النزوح، توقعت التقارير أن يتسبب الزلزال في تشريد نصف مليون شخص بشكل مؤقت، بينما سيواجه 170 ألف شخص نزوحاً دائماً نتيجة فقدان منازلهم. واعتبر هايمان أن هذه الأرقام تمثل الإطار الواقعي الذي يجب على الحكومة الاستعداد له وفقاً لقرارات سابقة صدرت منذ عام 2012 ولم تنفذ بالكامل.
وقارن الباحث بين الوضع الحالي وزلزال عام 1927، مشيراً إلى أن الخسائر البشرية حينها بلغت 300 قتيل في ظل تعداد سكاني لم يتجاوز 700 ألف نسمة. ومع وصول عدد السكان اليوم إلى 15 مليوناً بين النهر والبحر، فإن نسبة الخسائر المتوقعة ستتضاعف لتصل إلى أكثر من 6500 قتيل في حال تكرار نفس الشدة.
واستشهد التقرير بحادثة قصف مدينة حيفا خلال المواجهة الأخيرة، حيث أدى صاروخ باليستي واحد إلى انهيار مبنى سكني ومقتل عائلة كاملة تحت الأنقاض. وأوضحت مصادر أن عمليات الإنقاذ استغرقت ساعات طويلة بمشاركة قوات ضخمة من الجبهة الداخلية والإطفاء للتعامل مع مبنى واحد فقط.
إن وقوع زلزال قوي ومدمر سيؤدي إلى كارثة واسعة النطاق تهدد الأمن القومي الإسرائيلي بشكل كبير، والمسألة ليست هل سيقع بل متى.
وتطرح هذه الحادثة تساؤلاً جوهرياً حول قدرة أجهزة الإنقاذ في حال انهيار آلاف المباني في وقت واحد، حيث تمتلك قيادة الجبهة الداخلية عدداً محدوداً من كتائب الإنقاذ. وأكد هايمان أن القوات ستوجه أولوياتها للمباني العامة، مما يترك آلاف المواطنين تحت الأنقاض دون أي أمل في وصول فرق الإنقاذ إليهم.
ووصف الخبير هذا العجز بأنه قيد متأصل في العمليات، إذ لا توجد دولة في العالم تمتلك القدرة البشرية والتقنية لإنقاذ المحاصرين في عشرات آلاف المواقع المتضررة متزامنة. وهذا يعني أن الاعتماد على التدخل الحكومي السريع في لحظة الكارثة هو افتراض غير واقعي ويحمل مخاطر جسيمة.
وانتقد هايمان بشدة التقاعس الحكومي في تخصيص الميزانيات اللازمة لتعزيز المباني، رغم إدراك جميع أركان الدولة لحجم التهديد القائم. وأشار إلى أن الحلول ليست معقدة تقنياً، لكنها تصطدم بغياب الإرادة السياسية لتعزيز المنشآت الحيوية والسكنية لمواجهة الزلازل المتوقعة.
وتشير التقديرات إلى أن المطلوب هو تخصيص مليار شيكل سنوياً فقط، وهو مبلغ ضئيل لا يتجاوز 0.13% من الميزانية العامة للدولة. ومن شأن هذا المبلغ أن يساهم في تحصين المدارس والمستشفيات التي تعاني من ضعف بنيوي حاد يهدد حياة الآلاف من مرتاديها.
وبحسب تقرير مراقب الدولة لعام 2018، فإن هناك 1600 مدرسة في إسرائيل غير مستعدة بتاتاً لمواجهة الهزات الأرضية. وتتفاقم الأزمة في القطاع الصحي، حيث أشار تقرير حديث لعام 2024 إلى أن 60% من المستشفيات تفتقر للمقاومة اللازمة ضد الزلازل أو أن وضعها الإنشائي غير معروف.
وختم هايمان تحذيراته بالتأكيد على أن الزلزال هو حدث لا يمكن السيطرة عليه أو إيقافه، لكن يمكن التخفيف من آثاره عبر تعزيز البنية التحتية. وشدد على ضرورة استيعاب حجم الخطر والتعامل بجدية مع التقارير الفنية التي تحذر من كارثة تهدد الأمن القومي بشكل مباشر.
إن الربط بين آثار القصف الصاروخي والهشاشة الإنشائية يعكس قلقاً عميقاً داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية من تآكل الجبهة الداخلية. وتبقى الميزانيات المعطلة والقرارات غير المنفذة هي العائق الأكبر أمام حماية السكان من سيناريوهات الكوارث الطبيعية أو العسكرية القادمة.
شارك برأيك
تحذيرات من كارثة قومية.. القصف الإيراني يكشف هشاشة البنية التحتية في إسرائيل