في ذروة الحرب الباردة، وتحديداً في السابع عشر من يناير عام 1966، شهدت سماء جنوب شرق إسبانيا كارثة جوية كادت أن تتحول إلى انفجار نووي مدمر. وقع الحادث حين اصطدمت قاذفة استراتيجية أمريكية من طراز 'B-52' بطائرة تزويد بالوقود من طراز 'KC-135' أثناء عملية روتينية فوق قرية بالوماريس النائية.
أسفر الاصطدام العنيف عن تمزق الطائرتين واشتعال النيران في الوقود الجوي، مما أدى إلى مقتل سبعة من أفراد الطاقم وسقوط أربع قنابل نووية حرارية كانت تحملها القاذفة. ورغم أن القنابل لم تكن مفعلة للانفجار النووي، إلا أن ارتطام اثنتين منها بالأرض تسبب في انفجار المواد التقليدية بداخلها، مما أدى لنشر غبار البلوتونيوم المشع.
أحدثت هذه الواقعة صدمة دولية، حيث تحولت القرية الهادئة إلى ساحة لأكبر عملية بحث وتطهير إشعاعي في ذلك الوقت. وبدأت السلطات الأمريكية والإسبانية سباقاً مع الزمن لتحديد مواقع القنابل المفقودة وتقييم حجم التلوث الذي طال الأراضي الزراعية والمناطق السكنية المحيطة بموقع الارتطام.
استمرت عمليات البحث عن القنبلة الرابعة التي سقطت في مياه البحر الأبيض المتوسط لمدة 80 يوماً متواصلة. وشاركت في هذه العملية المعقدة غواصات متطورة وفرق فنية تابعة للجيش الأمريكي، حتى تم العثور عليها أخيراً على عمق يناهز 2850 قدماً ونقلها لتفكيكها وتأمينها بعيداً عن المنطقة.
على اليابسة، كانت المشاهد أكثر رعباً بالنسبة للسكان المحليين الذين وصفوا تساقط الحطام وكأنه نهاية العالم. فقد تسبب انفجار القنبلتين في تشكل حفر ضخمة وتلوث مساحات واسعة من حقول الطماطم التي تشتهر بها المنطقة، مما أدى إلى فرض قيود صارمة على الزراعة وتدمير سمعة المحاصيل المحلية.
استجابت الولايات المتحدة للأزمة بشحن ما يقارب 1750 طناً من التربة الملوثة بالإشعاع في براميل محكمة الإغلاق إلى منشآت نووية في ولاية كارولاينا الجنوبية. ومع ذلك، تشير التقارير المرفوعة عنها السرية إلى أن عمليات التنظيف لم تكن كافية لإزالة كافة الآثار الإشعاعية التي تغلغلت في باطن الأرض.
في محاولة لاحتواء الذعر الشعبي وحماية قطاع السياحة الناشئ، قام السفير الأمريكي لدى إسبانيا ووزير السياحة الإسباني بالسباحة أمام كاميرات الصحافة في شواطئ بالوماريس. كانت هذه الخطوة الدعائية تهدف لإرسال رسالة طمأنة بأن المياه آمنة، رغم أن عمليات جمع التربة المشعة كانت لا تزال جارية على قدم وساق.
إذا كان هذا إشعاعاً، فأنا أحبه.. هكذا صرح السفير الأمريكي وهو يسبح في مياه بالوماريس لطمأنة الرأي العام بينما كانت التربة تُجمع في براميل مشعة.
لم تنتهِ تداعيات الحادثة بمرور العقود، إذ لا تزال بعض المناطق في بالوماريس محظورة حتى عام 2025 بسبب استمرار وجود مستويات من البلوتونيوم. وتؤكد مصادر فنية أن الإهمال في بعض مراحل التنظيف الأولية ساهم في بقاء بؤر تلوث تشكل خطراً بيئياً طويل الأمد على المنطقة وسكانها.
وعلى الصعيد الصحي، واجه المئات من الجنود الأمريكيين الذين شاركوا في عمليات التطهير أمراضاً مزمنة وسرطانات ناتجة عن التعرض المباشر للمواد المشعة. وكشفت تقارير لاحقة أن هؤلاء الجنود عملوا في ظروف تفتقر لوسائل الحماية الكافية، مما دفعهم لخوض معارك قانونية طويلة للحصول على اعتراف رسمي بإصاباتهم.
القضاء الأمريكي شهد تحولاً مهماً في عام 2020، حين حصل المحاربون القدامى المشاركون في عملية بالوماريس على حق رفع دعاوى جماعية للمطالبة بتعويضات صحية. ورغم هذا الانتصار القانوني المتأخر، فإن العديد من المتضررين فارقوا الحياة قبل أن يتمكنوا من نيل حقوقهم أو رؤية نتائج قضاياهم في المحاكم.
أما سكان القرية الإسبانية، فقد خضع الآلاف منهم لفحوصات طبية دورية على مدار سنوات طويلة لمراقبة آثار الإشعاع على صحتهم. ورغم ادعاءات المسؤولين بضآلة المخاطر، إلا أن الولايات المتحدة اضطرت لتسوية مئات الدعاوى القضائية التي رفعها السكان المحليون المتضررون من التلوث البيئي والزراعي.
تظل حادثة بالوماريس تذكيراً حياً بمخاطر سياسة 'الردع الجوي' التي اتبعتها القوى العظمى خلال الحرب الباردة، والتي عرفت بعملية 'قبة الكروم'. هذه السياسة التي قامت على إبقاء أسلحة نووية في الجو بشكل دائم، جعلت العالم على حافة كارثة في أكثر من ثلاثين حادثة اعترف بها البنتاغون لاحقاً.
في عام 2015، وقعت مدريد وواشنطن بيان نوايا يهدف للتوصل إلى اتفاق نهائي لتنظيف ما تبقى من تلوث في المنطقة، لكن المسار الدبلوماسي لم يثمر عن نتائج ملموسة حتى الآن. ويبقى الملف مفتوحاً بين الدولتين كإرث ثقيل من حقبة الصراع النووي الذي لم تندمل جراحه في هذه القرية الصغيرة.
إن قصة بالوماريس ليست مجرد حادث جوي قديم، بل هي صرخة تحذير من الآثار العابرة للأجيال للأسلحة النووية. فبينما تتراجع الحادثة في الذاكرة العالمية أمام كوارث مثل تشيرنوبيل، تظل الأرض في جنوب إسبانيا شاهدة على يوم سقطت فيه السماء ناراً وسموماً مشعة لا تزال ترفض الرحيل.
شارك برأيك
بالوماريس.. حين سقطت القنابل النووية الأمريكية فوق الحقول الإسبانية