لم تعد أسواق المواشي في المغرب الوجهة الوحيدة للأسر مع اقتراب عيد الأضحى، إذ برزت الفنادق والمنتجعات السياحية كمنافس قوي لساحات البيوت التقليدية. هذا التحول يعكس تغيراً عميقاً في بنية الاحتفال، حيث استبدلت عائلات كثيرة ضجيج الأسواق ومساومات الباعة بشاشات الهواتف الذكية للبحث عن أفضل العروض الفندقية في مدن مثل مراكش وأكادير.
في ضواحي العاصمة الرباط والمدن الكبرى، خيم التوتر على أسواق الأغنام بسبب الارتفاع القياسي في الأسعار الذي تجاوز عتبة 5000 درهم للأضحية الواحدة. ورغم التطمينات الرسمية بوفرة العرض، إلا أن الواقع الميداني دفع الكثيرين لإعادة النظر في ميزانية العيد وتوجيهها نحو الاستجمام بدلاً من شراء الكبش.
تقول مصادر ميدانية إن ظاهرة 'هروب العائلات' نحو الفنادق لم تعد تقتصر على النخبة، بل شملت الطبقة المتوسطة التي باتت ترى في العيد التقليدي عبئاً مادياً وجسدياً كبيراً. فبدلاً من مشقة الذبح والتنظيف، توفر الفنادق تجربة متكاملة تتضمن الإقامة والوجبات التقليدية الجاهزة في أجواء من الراحة.
في مدينة مراكش، تتحول الفنادق المصنفة إلى مراكز بديلة للاحتفال، حيث تبدأ الحجوزات قبل العيد بأسابيع طويلة لتصل إلى الطاقة الاستيعابية الكاملة. وتعمل هذه المؤسسات على إعادة إنتاج طقوس العيد داخل إطار خدماتي منظم يشمل الإفطار الجماعي والأنشطة الترفيهية المخصصة للأطفال.
لم تكتفِ الفنادق بتقديم الغرف، بل ذهبت بعضها إلى توفير تجربة تحاكي أجواء العيد التقليدية من خلال تمكين النزلاء من ذبح أضاحيهم تحت إشراف طواقم متخصصة. وتتكفل إدارة الفندق بكافة مراحل الإعداد، بدءاً من الشواء وصولاً إلى تقديم الأطباق المغربية الشهيرة مثل 'التقلية' والمشوي.
وفي الجنوب المغربي، وتحديداً في مدينة أكادير، يظهر التحول بشكل جلي عبر الإقبال الكبير على الفنادق المطلة على المحيط الأطلسي. وتؤكد عائلات مغربية أن غياب البنية الاجتماعية التقليدية في المدن الكبرى جعل من ممارسة طقوس الذبح داخل الشقق السكنية أمراً معقداً ومرهقاً.
تشير مصادر في قطاع السياحة إلى أن دوافع هذا التغيير ثقافية واقتصادية في آن واحد، حيث باتت الأجيال الشابة تبحث عن 'بديل جاهز' يوفر الجهد. هذا الانتقال في الميزانية من سوق المواشي إلى قطاع الإيواء يساهم بشكل مباشر في إنعاش السياحة الداخلية التي تعاني عادة من التقلبات الموسمية.
العيد بات مرهقاً لشريحة متزايدة، والفندق يقدم بديلاً جاهزاً بلا مجهود، مما يعكس انتقال ميزانية الأسر من سوق المواشي إلى قطاع الخدمات.
من جانبها، أكدت وزيرة السياحة المغربية، فاطمة الزهراء عمور أن السياحة الداخلية أصبحت ركيزة استراتيجية للقطاع، حيث تمثل نحو 28% من إجمالي ليالي المبيت. وأوضحت أن عام 2025 شهد تسجيل أكثر من 12.1 مليون ليلة مبيت، مما يعكس دينامية جديدة في سلوكيات السفر لدى المواطنين.
الوزيرة أشارت أيضاً في ردود رسمية إلى أن السياحة العائلية هي المهيمنة حالياً، مع تنوع تدريجي في الوجهات وأنماط الإيواء المختارة. ويشمل ذلك الإقبال المتزايد على الإقامات السياحية والتخييم، خاصة خلال المناسبات الدينية والوطنية التي تشهد عطلاً مطولة.
يرى مراقبون أن ما يحدث هو 'تحول هادئ' يعيد رسم ملامح المجتمع المغربي وعلاقته بالموروث الديني والاجتماعي. فبينما تصر فئات واسعة على التمسك بالتقاليد المتوارثة داخل المنازل، تفتح التكنولوجيا والخدمات السياحية آفاقاً جديدة للاحتفال بعيداً عن النمط الكلاسيكي.
في الدار البيضاء، يروي مواطنون كيف تحولت نقاشات العيد من البحث عن 'أفضل كبش' إلى البحث عن 'أفضل مسبح' أو فندق يوفر إطلالة بحرية. هذا التغيير في الأولويات يعكس رغبة في التخلص من الضغوط النفسية والمصاريف الجانبية المرهقة التي ترافق عملية الذبح المنزلي.
الخدمات الفندقية خلال العيد لا تلغي الطقس الديني، بل تؤطره في قالب مؤسساتي يضمن النظافة والراحة، وهو ما يجذب الأسر الحضرية بشكل خاص. وتتنافس الفنادق في تقديم سهرات فنية وفقرات موسيقية مغربية أصيلة لتعويض النزلاء عن الأجواء العائلية التي قد يفتقدونها.
رغم غياب إحصائيات دقيقة حول عدد الأضاحي التي تُذبح داخل الفنادق، إلا أن المهنيين يؤكدون أن الطلب في تصاعد مستمر سنوياً. وأصبح عيد الأضحى يمثل 'ذروة سياحية' تضاهي في أهميتها عطلات الصيف ورأس السنة الميلادية بالنسبة للفنادق في المدن الكبرى.
في نهاية المطاف، يبقى المجتمع المغربي منقسماً بين الحنين إلى طقوس 'اللمة' العائلية في البيوت وبين إغراءات الراحة الفندقية. ومع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة، يبدو أن خيار الفندق سيتحول من مجرد 'تجربة عابرة' إلى نمط عيش دائم لقطاع واسع من المغاربة في السنوات القادمة.
شارك برأيك
الفنادق بديلةً لساحات البيوت.. كيف تغيرت طقوس عيد الأضحى في المغرب؟