في ظل انشغال الأوساط الدولية بملفات إقليمية معقدة، أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصريحات تصعيدية تمهد لمرحلة جديدة من العدوان على قطاع غزة. وأكد نتنياهو أن قواته التي كانت تسيطر على نصف مساحة القطاع، وسعت نفوذها لتصل إلى 60%، مع إصدار تعليمات واضحة للجيش بالتقدم للسيطرة على 70% من المساحة الإجمالية، في خرق صريح للتفاهمات السابقة.
ولم تتوقف التصريحات عند البعد العسكري الميداني، بل امتدت لتشمل الأهداف الديموغرافية، حيث غرد وزير الأمن يسرائيل كاتس مؤكداً التزام الحكومة بمنع أي سيطرة مدنية أو عسكرية لحماس. وأشار كاتس بوضوح إلى أن مشروع 'التهجير الطوعي' للفلسطينيين لا يزال قائماً وسينفذ في التوقيت والطريقة التي تراها إسرائيل مناسبة، مما يعكس استهتاراً كاملاً بالمواقف الدولية الرافضة للتهجير.
هذا التناغم بين نتنياهو وكاتس يكشف عن استراتيجية 'خنق غزة' عبر الاحتلال المتدرج، حيث يتولى الأول مهمة التوسع العسكري ميدانياً، بينما يروج الثاني للهدف النهائي المتمثل في إفراغ الأرض من سكانها. وتأتي هذه التحركات في وقت تواصل فيه إسرائيل استخدام سلاح التجويع ومنع الدواء والتحكم في حركة الأفراد كأدوات حرب أساسية لتركيع الحاضنة الشعبية.
ميدانياً، تشير الإحصاءات الصادرة عن وزارة الصحة إلى تصاعد خطير في أعداد الضحايا، حيث سجل شهر مايو الماضي ارتقاء 119 شهيداً، وهي الحصيلة الأعلى منذ أكتوبر. ومنذ توقيع ما يعرف بـ 'اتفاق ترامب'، استشهد 933 فلسطينياً وأصيب آلاف آخرون، مما يثبت أن الاتفاقات السياسية لم توقف آلة القتل بل حولتها إلى استنزاف يومي بوتيرة مدروسة.
وتشير تقارير إعلامية دولية إلى أن ما تسميه إسرائيل 'هجرة طوعية' ليس سوى عملية تطهير عرقي ممنهجة، إذ إن دفع السكان للرحيل بعد تدمير منازلهم وبنيتهم التحتية وحرمانهم من الغذاء لا يمكن اعتباره خياراً حراً. إن الاختيار بين الموت تحت القصف أو الرحيل نحو المنفى هو قمة القسر والإكراه الذي يمارس بحق المدنيين العزل.
كاتس أكد نية إسرائيل طرد الفلسطينيين تحت مسمى 'الهجرة الطوعية'، لكن الاختيار بين الكارثة الإنسانية أو المنفى ليس خياراً طوعياً بل تطهير عرقي.
داخل المؤسسة العسكرية، تبرز أصوات تدفع نحو حسم عسكري شامل، حيث يقود جنرالات مثل ينيف عاسور توجهاً لشن عملية هجومية واسعة تهدف لنزع سلاح المقاومة بالكامل خلال أسابيع قليلة. ورغم الانشغال بجبهات أخرى، إلا أن هذا الخيار يظل مطروحاً بقوة على طاولة نتنياهو، خاصة مع اقتراب الحسابات الانتخابية لعام 2026 وحاجته لتحقيق 'صورة نصر' حاسمة.
وتتعدد الاستراتيجيات المطروحة في أروقة القيادة الإسرائيلية، ومن أبرزها 'الخطة المتدرجة' التي تقترح تقسيم القطاع إلى مربعات جغرافية وديموغرافية يتم التعامل معها بشكل منفصل. وتقوم هذه الخطة على إخلاء السكان من الشمال إلى الجنوب وتدمير كل ما تبقى من معالم الحياة في المناطق المخلاة لضمان عدم العودة إليها، مع فتح مسارات أمنية للفحص والتهجير الخارجي.
وتتعمد سلطات الاحتلال عرقلة أي مشاريع لإعادة الإعمار أو إقامة سلطة إدارية منظمة داخل القطاع، بهدف إدامة حالة الفوضى وجعل غزة مكاناً غير صالح للعيش الآدمي. هذا النهج يهدف إلى دفع العائلات للرحيل خوفاً على مستقبل أطفالها، وهو ما يمثل جوهر المخطط الإسرائيلي الرامي لتصفية القضية الفلسطينية من بوابتها الغزية.
في المقابل، ترى النخب الأمنية الإسرائيلية أن عامل الزمن يعمل لصالحها في ظل غياب ضغوط دولية أو إقليمية حقيقية، وتحكم الجيش بجميع المعابر والمنافذ المؤدية للقطاع. ومع ذلك، يظل صمود أهل غزة على أرضهم هو العائق الوحيد والأساسي أمام تنفيذ هذه المخططات الجهنمية، وهو ما يتطلب إسناداً فلسطينياً وعربياً يتجاوز حدود البيانات اللفظية.
إن المرحلة الراهنة تعد الامتحان الأصعب والمصيري للقضية الفلسطينية، حيث يسابق نتنياهو الزمن لتحويل الاحتلال المؤقت إلى واقع دائم ومفروض بقوة السلاح. ويبقى الرهان معقوداً على قدرة الشعب الفلسطيني في غزة على إفشال مخططات التهجير، باعتبار أن بقاءهم في أرضهم هو المفتاح الوحيد لحماية مستقبل فلسطين وهويتها الوطنية.
شارك برأيك
مخططات التهجير وتوسيع الاحتلال: غزة تواجه استراتيجية 'الخنق التدريجي'